الصلح والوساطة كبدائل جديدة لفض المنازعات القضائية في القانون الجزائري
الأستاذ هرادة عبد الكريم
محام بمنظمة سطيف
رحمه الله استاذي الفاضل ادعوا لك بالرحمة امين يارب
يقول الله تعالى : لاخـير في كثيرٍ من نجواهم إلا من أمر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين الناس ، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً النساء 114
يقول الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ الحجرات10
و في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا : بلى ، قال : إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لاأقول تحلق لشعر ولكن تحلق الدين).
هكذا حضت الشريعة الإسلامية في مصادرها المختلفة على الإصلاح وحثت على فض المنازعات بين المؤمنين خاصة والناس عامة مبينة الدرجة الرفيعة والأجر العظيم الذي يناله المصلح ،لأن الصلح قبل كل شيء من مكارم الأخلاق التي لا تضاهيها إلا العبادة وتعظيم أمر الله فقد قال الشاعر :
إن المكـارم كلها لو حصلت **** رجـعت جمـلتها إلى شـيئين
تعظيم أمر الله جـل جـلاله **** والسعي في إصلاح ذات البين
والتشريعات الأنجلوسكسونية عامة والأمريكية بالخصوص أخذت بالطرق البديلة لحل المنازعات منذ أمد ، والمشرع الجزائري الذي تأثر بقانون الإجراءات المدنية والإدارية الجديد بهذه القوانين بحد بعيد استحدث مكانات قانونية بديلة لحل المنازعات القضائية وضمنها على وجه الخصوص الكتاب الخامس منه .
والمشرع الجزائري إنما استحدث هذه البدائل سعيا منه للحد من حجم المنازعات التي باتت تثقل كواهل القضاة وتؤثر على مردود الأحكام النوعي بالتقليص منها وحلها بهذه بالبدائل ما أمكن . كما كان يهدف إلى سرعة الفصل في المنازعات واجتناب إطالة أمدها بالأخذ والرد وبالطعون التي يمكن ان تلحق الاحكام الصادرة فيها متى كانت قابلة للحل بالطرق البديلة المتمثلة في الصالح والوساطة باعتبارهما من أساس عقيدة ودين المجتمع الجزائري المسلم ومن عاداتها وتقاليده العريقة ، فالعقلية الجزائرية كثيرا ما تفضل الاحتكام إلى هذه الطرق لفض المنازعات سواء بالمجالس العائلية او بالجماعة او ما يصطلح عليه في بعض مناطق الوطن تاربعت او تاجمعت .
كما يمكن أن يستخلص من نية المشرع أنه قد لجأ إلى استجداث هذه البدائل للمحافظة على كيان المجتمع بتجنيبه الأحقاد والضغائن التي قد تنشأ عن المنازعة القضائية بدليل أنه كان قد نص في التعديل الأخير لقانون العقوبات على طرق مشابهة لإنهاء الدعوى العمومية في الجرائم المتعلقة بالأسرة وبشرف واعتبار الأشخاص وحرمة الحياة الشخصية ، وبعض المخالفات التي لا تشكل إخلالا خطيرا للنظام العام
والمشرع الجزائري إنما لجأ إلى تقنين هذه البدائل مواكبة لحركة المجتمع وتطوره وتماشيا مع ما تفرضه الإتجاهات الجديدة للتشريع الإجرائي الجزائري
غير اننا سنتناول في هذا المقال الصلح والوساطة دون التحكيم كطرق مستحدثة في التشريع الإجرائي الجزائري كون التحكيم بالحقيقة ليس جديدا كما أن له أحكاما خاصة لا تدخل تحت عنوان مقالنا هذا
أولا الصلح :
1- الصلح عامة :
نصت عليه المواد 990 إلى 993 من القانون 09/08 المتضمن قانون الإجراءات المدنية الإدارية ، وهو على العموم إجراء جوازي يمكن ان يعرض من الخصوم الذين يجوز لهم التصالح تلقائيا ، كما يمكن أن يتم بسعي من القاضي .
والصلح غير مقيد بمدة معينة إذ يمكن اللجوء إليه في أي مرحلة كانت عليها الخصومة
والقاضي يما له من سلطة تقديرية هو الذي يحدد الزمان والمكان اللذين يراهما مناسبين لإجراء الصلح مالم توجد نصوص خاصة تقرر خلاف ذلك.
والصلح غير مقيد بمادة معينة إذ يمكن اللجوء إليه في أي مادة كانت بصريح المادة 04 من القانون 09/08 اللهم الاستثناءات المتعلقة بالقواعد الخاصة بالمادة الإدارية .
2-تثبيته:
نصت المادة 992 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجديد على أنه يقبت الصلح في محضر يوقع عليه الخصوم والقاضي وأمين الضبط ويودع بأمانة ضبط الجهة القضائية.
3- آثاره :
- للصلح أثر منه للخصومة طبقا للمادة 220 من قانون 08/09 .
- يأخذ محضر الصلح نفس قيمة وحجية الحكم القضائي .
- يصبح محضر الصلح سندا تنفيذيا بمجرد التأشير عليه من طرف القاضي وإيداعه بامانة الضبط طبقا للمواد 600 فقرة 08 و 993 .
|