|
إحصائية
العضو |
|
|
|
تاريخ مصر وعظمتها.....الكاتب مجيد طوبيا
هذه مجموعة مقالات للكاتب مجيد طوبيا عن حضارة مصر وتاريخها القديم
نشرت فى جريدة الاهرام المسائى على حلقات
ولاعجابى بها قررت ان انقلها لحضراتكم
المقالة الاولى
سادة العالم فواكه قصرالشمع
بقلم: مجيد طوبيا
http://massai.ahram.org.eg/234/2010/...15131/219.aspx
31/07/2010
[frame="1 10"]تسمو الدول وتتطور بالعلم والمعلومات الصحيحة, ولما رأيت أن جهل معظم المصريين بتاريخهم سوف يؤدي الي مفاهيم خاطئة, قد تتفاقم وتتحول إلي سلوك متطرف يعوق التقدم, تفرغت أكثر من أربع سنوات لانجاز هذا الكتاب. لأن بعض المتصدين للكتابة إلي الناس أو المتحدثين اليهم ينطقون عن جهل أو سوء نية, ويخلطون بين العقائد الخالدة وبين الأشخاص الفانين, وهدفهم تأخر هذا الشعب العريق, ففي تأخره رواج لبضاعتهم الفاسدة! والتاريخ ذاكرة الأمة.
وكانت لمصر امبراطورية فرعونية قوية ثرية, ضعفت بفساد الحكام, وركونهم الي حياة الدعة والترف, حتي تكون الجيش المصري من المرتزقة الأجانب, الذين سيطروا علي البلاد بحكم السلاح, فتمزقت البلاد إلي دويلات, وكشف الأعداء سرها, أي عرفوا الطريق الي احتلالها, ووقعت مصر تحت استعمار طويل متعاقب لدول أقل منها حضارة, من الفرس واليونان والرومان والعرب والفاطميين والأكراد الأيوبيين, ثم المماليك فالأتراك العثمانيين وأخيرا الانجليز!
ومع استمرار المذلة والقمع, فقد المصريون احساسهم بالعزة القومية والاستقلالية. قاوموا بعض الأحيان بإيجابية, ومعظم الأحايين بسلبية, من منطق أنهم باقون في بلادهم, أما الطغاة فإلي زوال!
هذا الكتاب بجزئية خلاصة آلاف الصفحات, جميعها من المراجع الأمهات, وحصيلة عشرات من الدراسات الحديثة الممتازة لبعض دراسينا الذين رجعوا إلي مصادر ومخطوطات ليست تحت يدي. وقد انشأت هذا الكتاب من مقتطفات متتابعة من هذه المراجع النفيسة, ولم انتقل منها إلي كتابات المعاصرين إلا لإيضاح ما خفي فهمه علي مؤرخي العصور الوسطي ولم أتدخل أنا إلا في القليل لربط أحداث أو إزالة غموض.
وجميع معلومات هذا الكتاب مسندة إلي مصادرها الأصلية المذكورة في نهاية كل جزء. وقاريء مؤرخي العصور الوسطي يعاني من المغالاة والتعميم,كأن يقول أحدهم مثلا: ثم حاربهم وقضي عليهم جميعا, ويكون قصده أن قتل الكثيرين منهم!.. ويعاني أيضا من اللغة المكتوبة بمفردات فصيحة وتركيبات عامية, وقد تركت بعضها للحفاظ علي مذاق روح العصر.
وبسبب كثرة الألفاظ البائدة والأعجمية, وغرابة الأسماء, مثل: طرنطاي, يلبغا, أشلون خوند, أقجماس, صرغتمش, طشتمر, وهو عينات سهلة, اقتصدت في ذكر الشخصيات الهامشية بما لا يخل بالحقيقة التاريخية.
كما يكابد قاريء هؤلاء المؤرخين العظماء من جنوحهم الي صياغة التاريخ بأسلوب اليوميات. فكان المؤرخ يبدأ الحادثة التاريخية المهمة, ثم يترك إلي أحداث أخري منها ما هو خطير ومنها ما هو تافه, ثم يعود إلي إكمال الحادثة التي بدأ بها, بعد عشرات الصفحات أو في المجلد التالي!
ومن أمثلة المراجع الأساسية: كتاب السلوك للمقريزي وهو أربعة أجزاء في اثني عشر مجلدا ضخما, وخطط المقريزي في جزءين كبيرين, والنجوم الزاهرة لإبن تغري بردي ومكون من ستة عشر جزءا تضمها عشرة مجلدات ضخمة, وبدائع الزهور لإبن إياس وهو خمسة أجزاء في ستة مجلدات, إلي جانب تاريخ الجبرتي ومراجع أخري عديدة.
ولا يقل أهمية عنهم العلماء الذين أفنوا حياتهم في تحقيق هذه المراجع وكتابة الهوامش الموضحة للأسماء والمهن والأزياء المنقرضة, حتي أن الهوامش تشغل نصف المساحة تقريبا, من هؤلاء الأساتذة الدكاترة: محمد مصطفي زيادة, محمد مصطفي, سعيد عبدالفتاح عاشور, سيدة اسماعيل كاشف, حسن حبشي, فهيم محمد شلتوت, ابراهيم علي طرخان, سعاد ماهر, جمال الدين الشيال, مصطفي السقا, حسن ابراهيم حسن, محمد كمال, السيد محمد, أحمد أمين, علي مبارك, فيليب حتي, عبداللطيف حمزة, حكيم أمين عبدالسيد, محمد قنديل البقلي, السيد محمد العزاوي وآخرون.
إلي هؤلاء الأفاضل وكثيرين أدين بالفضل.
والتاريخ في هذا الكتاب للسلاطين والملوك, وقبل ذلك لحياة الناس وآثارهم المعمارية والأدبية والفنية وأزيائهم, وارتباطهم بالمنطقة المحيطة, ثم علاقتهم بأوربا بعد أن تخلصت من المتاجرين بالدين, وجعلت المسيحية للحياة الروحية, وشئون الحياة العملية لأهل العلم والإدارة, فقفز الغرب من الانحطاط والتخلف إلي ما هو عليه الآن من سيادة علي العالم. فسادة الدنيا دائما هم سادة العلوم والابتكارات. والمبدع لا يبتكر إلا في مناخ من الحرية الكاملة واحترام الرأي الآخر ويقدس المبادرة الفردية واحترام الملكات الشخصية.
(1) فواكه قصر الشمع
منذ أقدم عصور الفراعنة ومصر تزرع الحبوب بوفرة وخاصة القمح, وتنتج الخضر والفاكهة بأنواعها, والكتان وقصب السكر ومحصولات أخري مهمة.
ومنذ الفراعنة وحتي القرن التاسع عشر لم يتغير أسلوب الزراعة, إلا قليلا في حقبة حكم الرومان ظل أسلوب ري الحياض هو الشائع باستثناء بعض الجهات, ولم تتحول الزراعة جميعها إلي الري الدائم إلا بعد انشاء خزان أسوان وإقامة السد العالي. وكانت الزراعة تقاس بالفدان.
وقد جاء العرب إلي مصر وهم يعلمون بثرواتها وخيراتها.. وعلي حد قول إبن ظهيرة أن: أرضا لم تكن أعظم من مصر, وجميع أهل مصر يحتاجون اليها. وكانت الأنهار بقناطر وجسور وتدبير, حتي أن الماء يجري تحت منازلهم وأفنيتهم, يحبسونه متي شاءوا ويرسلونه متي شاءوا.. وكانت البساتين بحافتي النيل من أولة إلي آخره ما بين أسوان إلي رشيد, متصلة لا تنقطع.
وينقل المؤرخ ابن إياس مبالغات قديمة طريفة, من أنه لما غرست الأشجار بمصر كانت ثمارها عظيمة جدا... بحيث كان طول البلحة الواحدة شبرا, ووزن الموزة الواحدة رطلا, وحبة القمح قدر كلية البقرة.. وكان عنقود العنب إذا قطف يحمل علي بعير من عظمه.. والرمانة إذا قشرت يقعد في قشرها ثلاثة أنفار.. والوردة الواحدة تحمل ألف ورقة.. وكل هذا بدعوة آدم عليه السلام حيث دعا لها بالبركة..
.. قلت ـ والكلام مازال للمؤرخ ابن إياس ـ ومصداق هذه الأخبار ما قاله الشيخ حسام الدين الشهر زودي, قال: كانت بالواحات الداخلة شجرة نارنج يقطف منها في كل سنة أربعة عشرة ألف نارنج.
هكذا تخيلوا خيرات مصر, حبة القمح في حجم كلية البقرة, والوردة الواحدة لها ألف ورقة, وكل هذا بدعوات آدم!
المكان والناس
كذلك كتب ابن ظهيرة مؤكدا أن مصر خزائن الأرض كلها, وسلطان مصر سلطان الأرض كلها.
وقال بعض الحكماء: مصر نيلها عجب, وأرضا ذهب, ونساؤها لعب, وهي لمن غلب, وهلكها سلب( أي تؤخذ غلابا).. ومالها رغب, وخيرها طلب, وفي أهلها صخب, وفي طاعتهم رهب( خوف). وسلمهم شغب( لا يخلو من عداوة). وحربهم حرب( هلاك). ونهرها النيل من سادات الأنهار وأشراف البحار لأنه يخرج من الجنة.
وهذا القول منسوب إلي عبدالله بن عمرو بن العاص!
أما المؤرخ الكبير المقريزي فيذكر في خططه: إعلم أن أرض مصر لما دخلها المسلمون كانت بأجمعها مشحونة بالنصاري, وهم علي قسمين متباينين في أجناسهم وعقائدهم, إحدهما أهل الدولة وكلهم روم من جند ملك الروم صاحب القسطنطينية( أسطنبول الآن) وهم الملكية.. والقسم الآخر عامة أهل مصر, ويقال لهم القبط وكلهم يعاقبه, ومنهم كتاب المملكة والتجار والباعة والأساقفة والقسوس ونحوهم, والفلاحة والمهنة. ويبلغ عددهم عشرات آلاف كثيرة جدا, فإنهم في الحقيقة أهل أرض مصر أعلاها وأسفلها. وبينهم وبين طائفة الملكية أهل الدولة من العداوة ما يمنع مناكحتهم.
والمقريزي من أهم وأصدق المراجع العربية, عاش في مستهل القرن الخامس عشر الميلادي, وقد رجع إلي مؤلفات سابقة لعصره فقدت من بعده ولم نكن لنعرف عنها شيئا لو لم يتناولها هو بالبحث وعرض أطراف منها.
وعن أصل كلمة القبط أو الأقباط فقد ذهبت المراجع العربية القديمة في تفسيرها مذهبا أسطوريا, فزعمت أنها مشتقة من أسم ملك لمصر القديمة كان يدعي قبطيم بن مصرايم بن مصر بن حام بن نوح.. أما المحدثون فبعضهم يري أنها مشتقة من مدينةKoptos( قفط)..
أو أنها تحريف لكلمةJacobito( اليعاقبة).. أو تحريف للكلمة اليونانيةKoptoi التي أطلقها اليونانيون علي المصريين لأنهم كانوا يجرون الختان لأولادهم..
والدكتور أحمد مختار عمر في كتابه القيم تاريخ اللغة العربية في مصر صفحة20 يذكر أن العرب أطلقوا علي أهل مصر القبط حتي من قبل الفتح الإسلامي.. وفي الحديث النبوي استوصوا بالقبط خيرا.. وقد اشتهر نوع من الثياب في الجاهلية باسم القبطية وجمعه العرب قباطي..
لكن د. سيد كريم في مقال له بمجلة الهلال فبراير1987 يؤكد أن الاسم قديم ورد في متون عصر ما قبل الأسرات, إذ وصفت مصر باسم ماسار أي حصن ابن الإله.. ويؤكد كذلك أن الاسم الأجنبي إيجيبت( أو جبتوس) نسبه المؤرخون إلي الاغريق بالخطأ, لأنه اسم مصري قديم, حيث كان يطلق علي أرض مصر اسم أرض الإله جبت بتاه.. وقد اتخذ ملوك الأسرة الأولي اسم جبتاه شعارا للتويج, فقيل عند تتويج أول ملوك الفراعنة أن الملك توج علي عرش جبتاه.. وذلك قبل أن يصل أول اغريقي إلي مصر بأربعة آلاف سنة!
واستطرادا يؤكد د. سيد كريم أن نسبة اسم النيل إلي الاغريق خطأ أيضا, وأن هيرودوت استعمل تسمية نيلوس دون فهم معناها.. فمنذ أن سكن المصريون حول النهر أطلقوا عليه اسم أل نيل أي النهر الأزرق, لأن أل معناها النهر, ونيل معناها أزرق( الصبغة الزرقاء اسمها حتي الآن نيلة).. وكان النهر في الدلتا يتفرع إلي أنهار فأطلقوا عليه اسم نيلو أي الأنهار.
روم.. عرب
بشكل عام فإن غزو العرب لمصر غامض في كثير من النواحي, وهذا يرجع إلي أنهم لم يبدأوا في تدوين تاريخهم إلا بعد قرنين أو أكثر, علي أيدي أمثال ابن عبد الحكم.
عن هذه الحقبة يحدثنا المؤرخ لينبول في كتابه النفيس سيرة القاهرة من أنه بعد أن انتهي حكم الإغريق البطالسة لمصر بانتحار كليوباترا سنة30 ق.م. صارت مصر ولاية رومانية.. ثم اعتنق المصريون المسيحية في القرن الأول الميلادي, وظلوا ثابتين علي عقيدتهم رغم اضطهاد الحكم الروماني الوثني, إلي أن جاء عام379 م. فتحولت الامبراطورية الرومانية جميعها إلي المسيحية, ثم وقع خلاف كبير بين مسيحيي مصر ومسيحيي الرومان سنة451 م. أصبحت في مصر بعده كنيستين, الأولي كنيسة دولة الروم البيزنطية وتؤيدها القسطنطينية, ويطلق عليها الكنيسة الملكية( وهم الروم الأرثوذكس). والثانية الكنيسة القومية للمصريين وعرفت باسم الكنيسة القبطية. فعاد اضطهاد الرومان للمصريين ولكنيستهم التي ظلت متمسكة بنفس عقيدتها وطقوسها
كان هذا الخلاف حول طبيعة المسيح, عندما أصر المصريون علي أن له طبيعة واحدة, بينما قال الملكيون أن له طبيعتين: ناسوت ولاهوت, أي بشرية وإلهية, وقرروا حرمان بطرك الاسكندرية من الكنيسة, ورفض المصريون ذلك وأطلقوا علي أنفسهم الأرثوذكسيين, وهي كلمة يونانية معناها أتباع الديانة الصحيحة, ومازال أقباط مصر يعرفون بذلك الاسم حتي الآن, وكلمة قبطي هي نفس كلمة مصري, والكنيسة القبطية هي الكنيسة المصرية.. ثم بعد الإسلام أطلقت علي غير المسلمين من المصريين.
مرجع مصري
في بحث ضخم وصفه الأستاذ الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور بأنه خير مرجع في موضوعه, وأعدته د. سيدة إسماعيل كاشف عن مصر في عصر الولاة وحتي عصر الاخشيد بعد أن تمكنت من حل طلاسم برديات ذلك العصر.. في ذلك البحث تؤكد الدكتورة أنه إزاء الاضطهاد الروماني لجأت الغالبية من الشعب المصري إلي المقاومة السلبية, وذلك بالفرار إلي المعابد والأديرة, وبهجر مزارعهم وقراهم, مما أدي إلي انتشار الفوضي في البلاد.. وفي وسط ذلك غزا الفرس مصر سنة616 م في عهد ملكهم كسري الثاني, وظلوا يحتلون مصر إلي أن حاربهم هرقل أمبراطور الروم في بلادهم سنة629 م, فاضطروا للجلاء عنها, وقد رأي هرقل بعد أن أنقذ الدولة البيزنطية من الفرس أن ينقذها من الخلاف الديني, فأصدر أمرا أو صورة توفيق تقتضي بأن يمتنع الناس عن الكلام في طبيعة المسيح وصفته, وأسند الرئاسة الدينية والسياسية لشخص واحد هو قيرس ويعرف عند العرب باسم المقوقس, وقبل أن يصل قيرس إلي الاسكندرية في سنة631 م هرب البطرك المصري بنيامين توقعا لما سيحل به وبطائفته من الشدائد, وكان اضطهاد قيرس للمصريين عظيما, وبذلك تمهد السبيل لفتح مصر علي يد دولة ناشئة قوية هي دولة العرب..
والواقع أن فتح مصر أصبح ضرورة بعد فتح الشام وفلسطين, وذلك لتأمين الفتوح الإسلامية في الشام, ولتأمين المدينة مركز الخلافة نفسها, لأنها قريبة من القلزم( البحر الأحمر) ولا يبعد أن يرسل الروم حملة من تلك الناحية تنتقم لما حل بممتلكاتهم في الشام. وفي الواقع أن مصر والشام ربطتهما من أقدم العصور مصالح سياسية وحربية وتجارية واحدة.. ولم يكن العرب بغافلين حينئذ عن ثروة مصر الطبيعية, ولا عن موقعها الجغرافي الممتاز, فقد جاءها كثير منهم للاتجار في أيام الجاهلية, منهم عمرو بن العاص وعثمان بن عفان.. وفد إلي الصعيد منذ أقدم العصور الكثير من التجار العرب, وذلك عن طريق البحر الأحمر ثم وديان الصحراء الشرقية..
ونلاحظ أن مصر في القرن السادس الميلادي وأوائل السابع لم تعد اقليما بيزنطيا بالمعني الصحيح, فقد كانت السلطة البيزنطية عليها ضعيفة, والعلاقة مادية بحتة, بمعني أن تؤدي مصر الخراج المفروض عليها سنويا قمحا وغلالا وأموالا ترسل من الاسكندرية إلي القسطنطينية.. وكانت الضرائب مصدر شكوي الفلاحين.. ولكي يهرب الفلاح من كثرتها كان يضع نفسه تحت حماية كبار الملاك, فيتحول من مالك صغير إلي عامل أجير, وبذلك وجدت الأبعاديات التي امتلكها ملاك كبار أشبه بأمراء اقطاعيين.. وكانت مصر مقسمة إداريا إلي خمسة أقسام كبري هي الاسكندرية العاصمة وشرقي الدلتا وغربي الدلتا ومصر الوسطي( وفيها الفيوم) ومصر العليا أي الصعيد, ويحكم كل قسم دوق, وكل دوق مستقل تقريبا بسبب ضعف سلطة الحاكم البيزنطي المقيم بالاسكندرية.
يضيف لينبول في كتاب سيرة القاهرة: إن قيرس( المقوقس) استغل صفته كحاكم بيزنطي لدعم نفوذه كبطريق علي حساب كنيسة الأقباط, فمن هنا كانت كراهية المصريين الزائدة للحكام الرومان ولمذهبهم هي التي ألقت بهم في أحضان المسلمين الغزاة, وجعلتهم يعملون بنصيحة بطريقهم بنيامين الذي كان منفيا, ويمدون يد المساعدة للعرب ومنذ اللحظة الأولي التي وطأت أقدامهم فيها مصر, وأسدوا كل مساعدة للمسلمين وعاونوهم في بناء الجسور وأمدوهم بالمؤن... ثم ما لبثوا أن أدركوا أنهم إنما غيروا سيدا بآخر
في الذمة
تحرك عمرو بن العاص سنة639 م(18 هـ.) من قيسارية علي شاطيء فلسطين.. وتشرح د. سيدة إسماعيل كاشف خطته بأنه سلك الطريق الذي سلكه أغلب غزاة مصر وفاتحيها, وهو طريق الصحراء الشرقية مساحلا للبحر المتوسط, ثم مبتعدا عن فروع النيل, فوصل من العريش إلي الفرما( شرقي بورسعيد). وظل يواصل السير حتي أم دنين شمال حصن بابليون( بمصر القديمة نواحي كنيسة ماري جرجس). وهناك كان القتال عنيفا بين المسلمين وبين البيزنطيين الذين تحصنوا بالحصن, مما اضطر عمرو إلي أن يستنجد بالخليفة عمر بن الخطاب الذي أمده بقوة كبيرة.. وبعد مفاوضات ومشقة في القتال عقد العرب مع المصريين معاهدة تعرف باسم معاهدة بابليون الأولي سنة19 هـ ديسمبر639 م ولم تكن بابليون خاضرة مصر وإنما كانت بمثابة قلبها وعاصمتها الحقيقية.. وهذه المعاهدة حددت مركز المصريين, أما البيزنطيون أو الروم فقد اشترط قيرس موافقة أمبراطوره هرقل.. وبمقتضاها أصبح المصريون أهل ذمة يؤدون الجزية
وأهل الذمة هم المسيحيون واليهود الذين يقطنون في ديار الإسلام. وقد وافق الخليفة علي هذه المعاهدة, أما هرقل فقد وبخ المقوقس علي قبولها, واستعد للحرب لكنه مات قبل خروجه للقتال مما أضعف من موقف الروم.
وكان فتح الاسكندرية من الصعوبة بمكان, لأن الروم مسيطرون علي البحر بأساطيلهم, ولأن حصون الاسكندرية كانت منيعة, حتي أن الخليفة عمر بن الخطاب استبطأ فتحها وكتب لعمرو بن العاص مؤنبا: أما بعد, فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر. انكم تقاتلون منذ سنتين.. وكان النزاع بين البيزنطيين علي العرش قد اشتعل فجنحوا إلي إنهاء الحرب بعقد هدنة حتي تفرغوا لمشاكلهم الداخلية. فذهب كيرس إلي حصن بابليون( أو قصر الشمع) وعقد معاهدة سنة20 هـ641 م. وعقب ذلك امتد نفوذ العرب إلي سائر الأقاليم المصرية وإلي برقة( بليبيا). كما أرسل عمرو بن العاص حملة إلي النوبة, وكانت في ذلك الحين مملكة مسيحية مستقلة, وعجزت الحملة عن أخذها وانتهي القتال العنيف إلي عقد هدنة كانت أشبه بمعاهدة سياسية وتجارية, من نصوصها أن تمد النوبة العرب بعدد معين من الرقيق كل سنة في مقابل مقدار معين من القمح والعدس.
وقد وصف أحد من شاهدوا عمرو بن العاص يخطب الجمعة بأنه كان: مربعا قصير القامة( متوسطها) وافر الهمة, أدعج أبلج( أي أسود متباعد الحاجبين). وكان ينصح المصلين قائلا: يا معشر الناس, إياكم وكثرة العيال وإخفاض الحال وتضييع المال, أو القيل والقال في غير ادراك ولا نوال.
وقيل:إنه لما فتح مصر سأل المقوقس عما يكون فيه خير مصر فقال المقوقس: حفر خلجانها واصلاح جسورها وسد ترعها, ولا يؤخذ خراجها إلا من غلالها, ويمنع عمالها من أخذ الرشاء( أي يمنع الموظفون من أخذ الرشوة) ليكون ذلك قوة للزارعين. فهل حدث ذلك؟
احلب البقر
بالفتح أصبح من ينوب عن الخليفة في حكم مصر واليا أو أميرا مقره دار الإمارة, وهو مسئول عن عمله أمام الخليفة, وعليه أن يؤم المسلمين ويرأس الجيش وأن يشرف أحيانا علي الخراج. لكن الخلفاء خشوا في معظم الأحوال ازدياد نفوذ الوالي فأسندوا الخراج الي شخص آخر هو عامل الخراج يكون مسئولا مباشرة أمام الخليفة. وحدث في سنة22 هـ أن أراد الخليفة عثمان بن عفان( الذي تولي بعد مقتل عمر بن الخطاب) أراد أن يولي في مصر شخصا آخر علي الخراج فقال عمرو بن العاص: أنا إذا كماسك البقرة بقرنيها وآخر يحلبها. ورفض.. وترك ولاية مصر
والواقع أن العرب احتفظوا الي حد كبير بنظم البيزنطيين الادارية لكنهم لم يسمحوا لعمال الأقاليم( أي حكامها) بالاستقلال محليا.. فكان الحكم مركزيا, وكل كبيرة أو صغيرة ترجع الي والي مصر.
وفي عهد الخلفاء الراشدين والأمويين كان ولاة مصر من العرب, فلما وصل العباسيون الي الحكم علي أكتاف الفرس, احتل الفرس المناصب الرفيعة, وصار الموظفون يعينون من شتي الأجناس التي دانت لسلطان الخلافة.. ولذلك جاء ولاة من الفرس علي مصر. ثم حل نفوذ الأتراك مكان الفرس منذ زمن الخليفة المعتصم(218 ـ227 هــ) وكان من أم تركية, ورأي في الأتراك قوما مقاتلين ليست لهم عصبية العرب وليس لهم وطن قديم يريدون احياءه مثل الفرس, فولي مصر ولاة من الأتراك, وكثر تغييرهم خشية الاستقلال بها لبعدها عن مقر الخلافة في بغداد أو سامرا..
تقول د. سيدة اسماعيل كاشف:
كانت سياسة الخلفاء بوجه عام ترمي الي استغلال مصر, وإن اختلف بعضهم عن البعض الآخر من حيث درجة الاستغلال, فالخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك يكتب الي متولي الخراج في مصر قائلا: إحلب الدر حتي ينقطع واحلب الدم حتي ينصرم( أي حتي آخر قطرة). بينما عبد الملك بن مروان ينصح متولي خراجه قائلا: لاتكن علي درهمك المأخوذ أحرص منك علي درهمك المتروك, أبق لهم لحوما يعقدون بها شحوما.
أي أن يترك للناس بعض الطعام كي يعملوا وينتجوا للعام التالي.
وقبل ذلك كان عمرو بن العاص أبطأ في إرسال خراج مصر, فكتب اليه عمر بن الخطاب يلومه: أما بعد, فقد عجبت من كثرة كتبي اليك في إبطائك بالخراج.. ولم أقدمك( أرسلك) الي مصر كي أجعلها طعمة لك ولا لقومك.. فرد عليه عمرو قائلا: أتاني كتاب أمير المؤمنين يستبطيء في الخراج, وزعم أني أحيد عن الحق.. ولكن أهل الأرض استنظروني الي أن تدرك غلتهم( تحصد). فكان الرفق خيرا من أن يحزق بهم فيصيروا الي بيع مالا غني عنه, والسلام.
لكن في عام الرمادة, عندما أصاب أهل الجزيرة العربية جهد شديد لهلاكهم من الجوع, كتب عمر الي عمرو يقول له: لعمري ياعمرو ماتبالي إذا شبعت أنت ومن معك, وأن أهلك أنا ومن معي, فياغوثاه ثم ياغوثاه. وأجاب عمرو: لبيك ثم لبيك, قد بعثت اليك بعير أولها عندك وآخرها عندي
وعن قدر الجباية يذكر ابن ظهيرة:
كانت مصر لما فتحها عمرو بن العاص جباها أولي دخوله ثمانية آلاف ألف دينار( ثمانية ملايين) فاستعجزه عمر بن الخطاب وقال: جباها الروم عشرين ألف ألف دينار وجبيتها ثمانية.. فلما كانت السنة الثانية جباها اثني عشر الف ألف, فلما توفي عمر بن الخطاب وتولي عثمان بن عفان صرف عمرو عنها, وولي عبد الله بن أبي السرح أخاه من الرضاع, فجباها أربعة عشر ألف ألف دينار, لأنه زاد في الخراج والوزن, فنظر عثمان الي عمرو وكان عنده بالمدينة, وقال له: قد علمت أن اللقحة( الناقة الحلوب يعني مصر) دزت بعدك. قال: نعم, ولكن أجاعت أولادها.. وقد أضرت هذه السنة بما بعدها, فلم يجبها بنو أمية وبنو العباس( بعد ذلك) إلا دون الثلاثة آلاف ألف دينار.
يعلق ابن إياس علي ذلك: وحصل لأهل مصر الضرر الشامل.. وكانت هذه أول شدة لأهل مصر في مبتدأ الاسلام
يضيف ابن ظهيرة: ولم تزل ملوك مصر والي يومنا هذا( أي حوالي871 هــ1466 م) يجمع كل واحد منهم أموالا عظيمة لاتدخل تحت الحصر, وكذا الأمراء والوزراء والمباشرون علي اختلاف طبقاتهم, كل منهم يأخذ أموالا في حياته بما لايعلم قدره إلا الله تعالي, وكثير منها في هذه الأزمان بأيدي النساء والمماليك ومن والاهم, والأمر لله تعالي
نقدا وعينا
جاء في شروط الفتح حسب بحث د. سيدة اسماعيل كاشف: أن يفرض علي جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط دينارين علي كل نفس, شريفهم ووضيعهم, ومن بلغ الحلم منهم, ليس علي الشيخ الفاني ولا علي الصغير ولا علي النساء شيء وتلك هي الجزية وهي ضريبة علي الرءوس. أما الخراج فهو ضريبة علي الأرض. والواقع أن العرب لم يحددوا قيمة الجزية, إذا يذكر المؤرخون أن صاحب إخنا( موقع قرب الاسكندرية) سأل عمرو بن العاص: أخبرنا ماعلي أحدنا من الجزية, فقال عمرو وهو يشير الي ركن الكنيسة: لو أعطيتنا من الأرض الي السقف ما أخبرتك بما عليك, إنما أنتم خزانة لنا, إن كثر علينا كثرنا عليكم, وان خفف عنا خففنا عنكم
وقد ذكر المؤرخون كذلك أن عمرو هدد القبط بأن كل من عنده كنز وأخفاه قتله.. وبلغه أن أحد أهالي الصعيد يقال له بطرس عنده كنز, فلما سأله أنكر ذلك, وعندما تبينت لعمرو صحة ماسمعه عنه أمر بقتله, فلما سمع ذلك القبط أخرجوا كنوزهم خوفا من القتل.
وكان الخراج يجبي في مصر نقدا وعينا. وكان القمح أهم مايجبي الي جانب الزيت والعسل وأنواع الأطعمة الأخري.. ومن الملل المجبي يأخذ جنود الحامية العربية في مصر عطاءهم, وعقب الفتح مباشرة بدأت مصر ترسل القمح الي المدينة المنورة, كما كانت ترسله لروما ومن بعدها بيزنطه, واستمر ذلك حتي بعد نقل الخلافة الي دمشق وبغداد وسامرا.
السياسة في الدين
تأثرت مصر دائما بما يحدث في دار الخلافة فبعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام مباشرة ظهر الخلاف بين المسلمين حول مسألة الخلافة ومن الذي يتولاها, وهل هي إرث في بيت النبي.. أم يتقلد أمرها أي فرد كفء لها بغض النظر عن القبيلة التي ينتمي اليها؟.. فالدين الاسلامي لم ينص علي شكل حكومة معينة للأمة العربية أو لغيرها من الأمم.. ولم يعهد الرسول الي شخص معين من بعده ليكون زعيما للأمة.. وكان امتناع العباس عم الرسول وعلي بن أبي طالب وطلحة والزبير وغيرهم ممن لم يرضوا بمبايعة أبي بكر الصديق بالخلافة إيذانا بما حدث بعد ذلك من انقسام المسلمين الي سنة وشيعة, ثم كثر النزاع حول الخلافة ومن يتولاها, وكان تارة بالجدل وتارة بالسيف. ونلاحظ أن الحركات والثورات المختلفة كانت سياسية في شكل دينية أو دينية في شكل سياسي
هذا ما قالته د. سيدة اسماعيل كاشف, ولأن الاقتصاد جزء من السياسة يضيف د. سعيد عبد الفتاح عاشور( وعبد الرحمن الرافعي) أنه: قد تجمعت عدة عوامل لإثارة الفتن ضد عثمان بن عفان, منها أنه سمح لكبار الصحابة بالخروج الي الأقاليم وامتلاك الثروات فيها والضياع والدور ومنها استياء عرب الجنوب وقبائل أخري من تسلط قريش.
وعلي هذا فقد ثار العرب بمصر وبادروا بإرسال مندوبين عنهم الي المدينة.. وانتهي الأمر بمحاصرة عثمان في داره اثنين وعشرين يوما, حتي اقتحموا داره وقتلوه سنة35 هــ
بعد ذلك دب النزاع بين الخليفة الجديد علي بن أبي طالب وبين معاوية إبن عم عثمان. والواقع أن معارضة معاوية تبدو ثورة علي الحكومة الشرعية, ثورة من بني أمية ارستقراطية قريش, للمطالبة بدم قريبهم عثمان.. وحين وقعت معركة صفين كاد يتم النصر لجيوش علي ولأهل العراق, لولا حيلة دبرها عمرو بن العاص, إذ أشار الي الجند السوريين( أتباع معاوية) برفع المصاحف علي أسنة الرماح, وأخذوا ينادون الحكم لله
وكان الأمير محمد بن أبي بكر قد أخذ ولاية مصر, فلما جاء قامت بينه وبين أتباع عثمان معارك انهزم فيها وهرب واختفي في بعض خرابات الفسطاط, وأرشدت عن مكانه امرأة عجوز.. ويروي ابن إياس الواقعة هكذا:
فلما دخلوا عليه وجدوه قد كده العطش, فقال لهم: بالله اسقوني شربة من الماء, فقال له ابن جريج: لا أسقاني الله إن سقيتك, أنسيت منعك الماء عن عثمان وهو في الدار.. فقال: أكرموني لأجل أبي بكر( والده).. فقال ابن جريج: لا أكرمني الله إن اكرمتك.. ثم ضرب عنقه بالسيف وأدخل جثته في جوف حمار وأحرقه. قال الكندي: لما قتل الأمير محمد أرسلت أخت ابن جريج الي عائشة( أخته) بخروف مشوي, وقالت لها: هكذا شوي أخوك محمد بمصر, فحلفت عائشة أنها لاتأكل المشوي قط حتي تلقي ربها.
بهذا أصبحت مصر ولاية أموية سنة38 هــ بالرغم من أن الخليفة علي بن أبي طالب ظل في منصبه حتي سنه40 هــ(661 م).. وانتهي الأمر بانتصار معاوية بن أبي سفيان, وتقديرا منه لخدمات عمرو بن العاص ولاه مصر, وجعلها طعمة له بعد عطاء جندها النفقه, وهذه هي ولايته الثانية علي مصر سنة38 هــ. وكان من رأيه أن ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة واستمر واليا بها الي سنة43 هــ.
في هذه السنة, يقول ابن إياس مرض وسلسل في المرض, فلما أشرف علي الموت أحضر ما كان جمعه من مال القبط لما فتح مصر, وقال لولده عبدالله: إذا أنا مت فاردد هذه الأموال الي أصحابها, فلما سمع بها معاوية أرسل وأخذها.. وقد قيل لعبدالله: ماكان قدر هذا المال؟ قال: كان سبعين جرابا من جلد ثور كاملة( أي حوالي عشرة أطنان من الدنانير الذهبية, امتنع أولاده عن أخذ انصبتهم منها).. وكانت حياة عمرو خمس وتسعين سنة, ومدة ولايته علي مصر ـ أولا وثانيا ـ احدي عشرة سنة وأشهر.. ودفن في سفح الجبل المقطم قريبا من الفسطاط.
[/frame]
|
| التوقيع |
|
إرحل كزين العابدين وما نراه أضل منك
إرحل وحزبك في يديك
ارحل فمصر بشعبها وربوعها تدعو عليك
إرحل فإني ما ارى في الوطن فردا واحدا يهفو إليك
لا تنتظر طفلا يتيما بابتسامته البريئة أن يقبل وجنتيك
لا تنتظر اما تطاردها هموم الدهر تطلب ساعديك
لا تنتظر صفحا جميلا فالخراب مع الفساد يرفرفان بمقدميك |
|
|
|
|
08-08-2010, 01:36 AM
|
رقم المشاركة : [2]
|
|
إحصائية
العضو |
|
|
رد: تاريخ مصر وعظمتها.....الكاتب مجيد طوبيا
اى مصرى حقيقى مش مجرد اسم
لازم يعرف تاريخ بلدة كويس ويفهمة
زى مالازم نعرف ديننا على اصولة
برضو تايخ بلدنا لية حق علينا
وفعلا فى شخصيات افنو حياتهم
واقل واجب نعرف ماذا قدمو لنا
من ليس له ماضى ليس له حاضر ولا مستقبل
تسلم ايدك استاذ المهذب
|
|
|
|
|
|
08-08-2010, 02:40 AM
|
رقم المشاركة : [3]
|
|
إحصائية
العضو |
|
|
|
رد: تاريخ مصر وعظمتها.....الكاتب مجيد طوبيا
جنون الكنوز بقلم: مجيد طوبيا
01/08/2010
الاهرام المسائى
http://massai.ahram.org.eg/235/2010/...15247/219.aspx
[frame="2 10"]. عمرو بن العاص هو الذي بني الفسطاط, أول حاضرة إسلامية في مصر, وقبل ذلك ومن قبل الميلاد كان البطالمة قد اتخذوا الاسكندرية عاصمة لهم لأنهم أهل بحر, فلما حكم الرومان من بعدهم اتخذ نوابهم العاصمة نفسها, وكان عمرو يريد ذلك أيضا لولا أن الخليفة عمر بن الخطاب أبي عليه ذلك, كي لا يكون بين وبين مقر الخلافة في المدينة بحر ومسافة بعيده, ومن هنا نشأت الفسطاط, وراجت حول نشأتها حكاية طريفة تقول إن عمرو كان مخيما هو وعسكره تحت حصن بابليون, وعندما عزم علي الرحيل الي الاسكندرية لفتحها وجد يمامة قد أفرخ بيضها في فسطاطه أي خيمته, فقال: لقد تحرمت بجوارنا, أقروا الفسطاط حتي تطير فراخها. أي دعوا الخيمة مكانها حتي تتعلم فراخها الطيران.
وعندما عاد من الاسكندرية أمر عسكره أن يعسكروا حول فسطاطه, وانضمت القبائل بعضها إلي بعض, وتنافسوا علي المواقع, فولي عمرو أربعة من قواده أنزلوهم وفصلوا بينهم في الخلاء الممتد بين بابليون وتلال المقطم.
يقول المستشرق لينبول: كانت الفسطاط أولا أشبه بمعسكر وقتي أكثر منها بمدينة, ذلك أنهم احتاجوا الي مسافة واسعة كي يفصلوا بين القبائل المختلفة التي تكون منها جيش الاحتلال, والتي كانت برغم الإخاء الذي نادي به الدين الجديد عرضة لأحقادهم القديمة, وعرفت تلك البقعة بالحمراوات الثلاث, الحمراء القريبة والوسطي والقصوي, ومن الواضح إن هذه التسمية ترجع الي اللواء الأحمر الذي أقيم في الوسط. وقد قسمت القبائل هذه الحمراوات فيما بينها, مبتدئة من بابليون الي حيث جامع ابن طولون حاليا.
وقيل إن كلمة فسطاط مشتقة من اللفظ اليوناني فساطن, المشتق من اللفظ اللاتيني فساتم, الذي كان يطلقه الرومان علي معسكراتهم الحربية. لكن الكلمة موجودة في المعاجم العربية وتعني البيت من الوبر أو الشعر أي الخيمة.
كما اختطت قبيلة حمدان ومن والاها الجيزة, لكل بطن منهم( أي عصبية أو فرع) خطة, وبين كل خطة والتي تليها فضاء.
وقد بقي في الاسكندرية الزبير بن العوام ومن معه, ولم تكن بها خطط مثل الفسطاط, وإنما كانت أخائذ, من أعجبه منزل أخذه ونزل فيه هو وبنو أبيه.
فلما زاد عدد المستوطنين العرب في زمن عثمان بن عفان ثم معاوية ومن تلاه, كثر عدد النازحين ووسع كل قوم لبني أبيهم, فكثر البنيان والتأمت الخطط.
تاج الجوامع
عن تاريخ أول مسجد أقيم علي أرض مصر يقول لينبول أن عمرو بن العاص اختط في مركز الفسطاط داره, وبني بجواره مسجدا هو جامع الفتح, أو تاج الجوامع كما أطلق عليه العرب.. ثم سرعان ما أطلق عليه اسم الجامع العتيق( الآن جامع عمرو بن العاص). ولم يكن سوي غرفة مسطحة طولها200 قدم وعرضها56 قدما. وكان سقفه منخفضا جدا تتخلله بعض الثقوب لدخول الضوء. ولم تكن له مئذنة أو زينة أو أفاريز, وحتي المنبر الذي اتخذه عمرو قد أزيل حين كتب اليه الخليفة عمر بن الخطاب يوبخه قائلا: أما بحسبك أن تقوم قائما والمسلمون عند عقبيك!..
بعد خمس وعشرين سنة أعيد بناء هذا الجامع من جديد مع بعض التوسعات, والموجود الآن بني سنة727 م, وكان يجلس فيه القاضي ليحكم بين المتنازعين, وكان يجتمع فيه العلماء, كما كان يجتمع فيه السنيون وقت انقسام المسلمين علي أنفسهم, ثم احترقت مدينة الفسطاط كلها عمدا, فحلت بالجامع أيام سوء, حتي وجده الرحالة المغربي ابن سعيد في القرن الثالث عشر الميلادي وقد غطاه العنكبوت, وجدرانه علاها عبث المتعطلين وقد نثروا علي أرضه مخلفات الأطعمة, في ذلك الوقت كان العابثون أكثر من الأتقياء. وقال الجبرتي الذي عاش في القرن التاسع عشر الميلادي إنه كان هناك كثير من الموسيقيين ومدربي القردة والمشعوذين والراقصات والحواة, ممن كانوا يترددون علي صحن الجامع( المهجور) وقد تداعت أبنيته.
ثم جاء المملوك مراد بك الذي كان قلقا علي حياته, وأرضي ضميره بإنفاق بعض المال الذي حصل عليه بطرق متعسفة علي إعادة بناء هذا الجامع, حتي أصبح في مستهل القرن التاسع عشر الميلادي المكان المفضل لصلاة الجمعة اليتيمة في رمضان, واذا تأخر الفيضان وخشي الناس هبوط ماء النيل وما يعقبه من قحط صدرت الأوامر للمشايخ والأئمة بإقامة صلاة الاستسقاء من أجل زيادة ماء النيل في هذا الجامع, وكذلك قساوسة الكنائس واليهود لنفس الغرض.
وقد ظل جامع عمرو بن العاص المسجد الجامع الوحيد في عصر الولاة, أي زمن الخلفاء الراشدين والدولتين الأموية والعباسية, ويمتاز المسجد الجامع بأنه مكان للصلاة ومدرسة دينية ومركز للقضاء. وظل هكذا إلي أن بني والي الخليفة المهدي علي مصر جامع العسكر سنة169 هـ في مدينة العسكر التي اختطها العباسيون في سنة133 هـ. وبعد عصر الولاة كثر بناء الجوامع.
كما سمح الوالي مسلمة بن مخلد(53 ـ63 هـ) للأقباط بأن يبنوا كنيسة لهم في الفسطاط بجوار الجسر الذي يربط بينها وبين جزيرة الروضة.
عاصمة دائما
عن موقع المدينة وتاريخه يقول لينبول: كانت الفسطاط تطل علي النيل الذي كان مجراه وقتها في موقع مصر القديمة, والأثر الباقي منها ليس عربيا, ذلك هو حصن بابليون الذي أطل وقتها علي خيام المسلمين وأشرف علي حاضرتهم وهي تنمو. ومن المؤكد أنه قريبا من الفسطاط كانت توجد مدينة تسمي: مدينة مصر, اختفت في أعقاب الفتح, إما لأن أهلها التحقوا بالعاصمة الجديدة حيث الرزق الطارئ, وإما لأنهم هجروا مواقعهم في شهور القتال بين الرومان والفاتحين العرب, فأثروا السلامة وابتعدوا.. والمؤكد أن هذه المنطقة التي فيها قاهرة اليوم كانت دائما تحتضن في بعض بقاعها مدينة ما, ومنذ أيام الفراعنة.
والمدينة التي اختفت أو ذابت في الفسطاط في سنوات الفتح الأولي, كانت تحتمي بحصن بابليون أو: باب لي أون, أو باب أون, والسر في هذه التسمية أن مدينة أون تبعد أميالا قليلة حيت تقوم شامخة مسلة عين شمس, وهي كل ما تبقي من مدينة أون أو هليوبوليس, أو مدينة الشمس, الآن هي في منبسط المطرية حيث حارب العرب إحدي معاركهم قبل احتلال الحصن, وحيث حارب الأتراك أمام هذه المسلة موقعة انتهت باستيلائهم علي القاهرة, مستهلين ابشع أنواع الاحتلال وأحطها سنة1517 م, وحيث انتصر كليبر علي الأتراك ووحدهم سنة1800 م.
في هذا المكان التاريخي كان معبد أون الذي عمل فيه حما يوسف الصديق كاهنا, وحيث كانت هليوبوليس جامعة أقدم حضارات العالم. أجمع, والتي تلقي فيها موسي حكمة المصريين علي أيدي كهنة الإله رع, والتي انتسب إليها هيرودوت الإغريقي, وتلقي افلاطون تعاليمه, ودرس الرياضي يودوكس الفلك, وعاش مشاهير اليونان للتعلم, كانت في هذه المدينة أول جامعة وأول مركز علمي عالمي, لم يبق منها سوي المسلة.. وعن قربها شجرة جميز عجوز استراحت تحتها العائلة المقدسة, مريم العذراء والمسيح ويوسف, حيث هربوا الي مصر, فسميت شجرة مريم العذراء.. وعلي مقربة منها نبع عذب قيل أنه أصبح عذبا لأن الطفل يسوع استحم فيه..
اندثرت هليوبوليس وبقي حصنها باب أون الذي يرجع تاريخه الي القرن الثالث الميلادي. وكانت في سفحه مدينة مصر تحتمي به, وبداخله مدينة عسكرية ضخمة بها ست كنائس فخمة.. وكان القبط يجتمعون في هدوء في حصن بابليون.
محمد كمال السيد محمد في كتابه الموسوعي أسماء ومسميات من مصر القاهرة, يؤكد أيضا أن موقع القاهرة موقع مختار منذ عهد الفراعنة, وكانت منف تقابل حلوان.. قاعدة تتحكم في الوجهين البحري والقبلي. ثم اتخذ الرومان حصن بابليون.. وهو ذات موقع مدينة الفسطاط.
وفي خطط المقريزي: وأما فسطاط مصر فإن مبانيها كانت في القديم متصلة بمباني مدينة عين شمس, وبها بناية تعرف بالقصر( حصن بابليون أو قصر الشمع حوله مساكن.. قال عنه ابن المتوج: وفيه أزقة ودروب والكنيسة المعلقة.
وكان للرومان بقصر الشمع مقياس حيث كان يطل مباشرة علي الميل عندئذ, الآن يبعد450 مترا. كذلك لما بني جامع عمرو كان يطل علي النيل, الآن يبعد450 مترا تقريبا. وقصر الشمع هذا من بقاياه الآن الكنيسة المعلقة بمصر القديمة. وبشكل عام كان النيل وقتها يجري غربي موقع مسجد السيدة زينب بحوالي300 متر, الآن يبعد كيلو مترا, وكان يجري في المواقع الحالية لشارع حسن الأنور ثم مصطفي كامل ثم محمد فريد حتي ميدان رمسيس ثم يتجه الي الترعة البولاقية حيث يلتقي بمجراه الحالي عند فم ترعة الاسماعيلية شمال شبرا..
وقد تم هذا التحول علي تسع دفعات طبقا لرأي العالم محمد رمزي, مابين عامي688 و1830 ميلادية. ونتج عن ذلك تباعا طرح نهر تكونت منه أحياء المنيرة والقصر العيني وجاردن سيتي والتحرير وباب اللوق ومعظم بولاق, ونتج عن التحول الرابع عام1174 جزيرة النيل مكانها الآن ميدان رمسيس وشبرا وجزيرة بدران والسبتية, وبعد120 سنة اتصلت هذه الأماكن بالأرض شرقيها.
حرق المكتبة
أما عن مكتبة الاسكندرية الشهيرة وإن كان عمرو بن العاص قد أمر بإحراقها بتعليمات من عمر بن الخطاب, فالواقع أن الاسكندرية الي حين فتح العرب لها كانت أهم مركز في الشرق تشع منه الثقافة اليونانية والرومانية, وكانت بها مكتبة..
وقد ذكروا أن مكتبة الاسكندرية الشهيرة أسست في عهد الاسكندر المقدوني, وأنه جعل فيها ترجمة جميع ما وجده من مخطوطات في بلاد البابليين والأشوريين والفرس. قال ابن نديم في فهرسته ص329 إن الاسكندر لما فتح عاصمة فارس اصطخر( ترجم) نسخا من جميع مافي خزائنها من كتب الي اللسانين اليوناني والقبطي, وبعث بها وسائر ماأصاب من العلوم والأموال والخزائن والعلماء الي مصر. قالوا ومازالت هذه المكتبة تزداد حتي بلغت كتبها سبعمائة ألف مجلد. وفي عام47 ق. م. حوصر يوليوس قيصر بالاسكندرية فأحرقت جنوده من غير قصد بعض هذه المكتبة. ولما تولي الامبراطور تودوسيوس وكان مسيحيا دفعه تعصبه الي القضاء علي جميع المعاهد الوثنية, فنال المكتبة علي يده ضرر كبير. وفي عهد الامبراطور تيودوس منع الاشتغال بالآداب والفلسفة اليونانية, وبأمره احترقت المكتبة سنة39 م.
هذا ماذكره محمود مصطفي في كتابه عن الأدب العربي في مصر ثم يذكر أن:
أول كتاب عربي ظهرت فيه هذه التهمة هو كتاب الإفادة والاعتبار لعبد اللطيف البغدادي, الذي زار مصر في أواخر القرن السادس الهجري ووصف مشاهدها.. وخلال حديثه عن الاسكندرية قال مايأتي ملخصا: عاش يحيي( يوحنا) النحوي الي أن فتح عمرو بن العاص مصر والاسكندرية, وكان عالما يكتب بلغته القبطية, فلما عرف عمرو موضعه من العلم قربه منه وأكرمه, وفتن به وشاهد من حججه المنطقية ما لم يكن للعرب به أنسة. ثم حدثه يوما عن مكتبة الاسكندرية, فقال يحيي النحوي لعمرو: إن ما لا نفع لكم به نحن أولي به, سأله عمرو عما يحتاجه. فقال كتب الحكمة. ثم انتهي الأمر بعمرو الي أن استشار عمر بن الخطاب في أمرها فكتب إليه: إن كان فيها مايوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غني, وإن كان فيها مايخالف كتاب الله فلا حاجة إليها فتقدم بإعدامها..
أيضا ذكر حادثة الحرق هذه أبو الفرج بن العبري في كتابه مختصر الدول, وعن هذين الكتابين العربيين نقل الأوروبيون, وظل هذا شائعا حتي جاء القرن الثامن عشر وأعلن المؤرخ الانجليزي جيبون شكه في الأمر, في كتابه: اضمحلال الامبراطورية الرومانية وسقوطها ـ الجزء الثالث ـ الفصل الحادي والخمسون. قال:
كان عمرو أكثر حبا للاستطلاع وأكثر تحررا من بقية أصحابه, وكان يحلو له في أوقات فراغه أن يتحدث الي يوحنا( يحيي النحو) في النحو والفلسفة.. وقد تشجع يوحنا وطلب المكتبة الملكية, وكانت الشيء الوحيد من أسلاب الاسكندرية التي لم تمسسه يد الفاتح ولم تقسم بين الفاتحين, ولكن نزاهة عمرو جعلته يستأذن عمر بن الخطاب( فأجاب بما سبق) ونفذ عمرو الحكم في طاعة عمياء, فوزعت هذه المكتبة ومجلداتها المكتوبة علي الورق أو الرق علي حمامات المدينة( لتسخين المياه) وكان عددها أربعة آلاف حمام, وقد بلغت هذه المؤلفات من الكثرة حدا لا يصدق, بحيث أن ستة أشهر لم تكن كافية إلا بصعوبة لاستهلاك هذا الوقود الثمين.
ثم يعلق جيبون: لكني أميل بشدة ـ وهذ رأيي الخاص ـ الي إنكار هذه الواقعة.. ودليله أن كاتبين مصريين عاشا قرب فتح الاسكندرية لم يذكرا هذه الحكاية.. ثم يتحدث بشكل عام أنه بسبب الجهل وكوارث الحروب وتعاقب الأجيال يكون من العجيب عدم فقد المكتبات والكتب وقد حرمنا الكثير من مؤلفات الاغريق الشعرية والمسرحية في اليونان.
أما د. سيدة اسماعيل كاشف فتقول ان المكتبة أحرقت في زمن يوليوس قيصر سنة48 ق. م. ثم حرقت بعد ذلك بنحو أربعمائة سنة حين اشتد النزاع بين الوثنية والمسيحية.. وحتي لو كانت المكتبة موجودة عند الفتح فقد كان بوسع البيزنيطيين أخذ كنوزها معهم الي القسطنطينية.
لكن الثابت أن العرب دمروا كثيرا من المعابد الأثرية بغية الفوز بما فيها من معادن نفيسة
الذي بني مصر
عن تاريخ الفراعنة, نقل مؤرخو العصور الوسطي حكايات مثل حواديت ألف ليلة وليلة.. إذ قال محمد المسعودي إن أول من ملك مصر قبل الطوفان هو تبليل الألسن وهو من أولاد قابيل بن آدم عليه السلام.. وتولي بعده إبنه نقراؤس الجبار وهو الذي بني مدينة أمسوس أول مدينة بأرض مصر..
وقال العلامة ابراهيم بن وصيف شاه في أخبار مدينة أمسوس: كان بها طائر من نحاس علي اسطوانة من رخام أخضر, يصفر كل يوم عند طلوع الشمس مرتين, وعند غروبها مرتين, فيستولون بتصفيره علي مايكون من حوادث في ذلك اليوم فيتهيأون لها..
ثم تولي بعده مصريم, وهو الذي بني مدينة مصر.. وتولي بعده أخوه عيقام, وإليه تعزي كتب القبط التي فيها تواريخهم( أي تاريخ الفراعنة) ومايحدث في الدنيا إلي آخر الزمان.. واستمر عيقام هذا حتي تغايرت عليه نساؤه فعمدت احداهن الي وضع السم في طعامه, فمات من وقته, فكان كما قيل في المعني:
كن مااستطعت عن النساء بمعزل... إن النساء حبائل الشيطان.
وبعد فترة حكم سورنيد, وقيل سورند( لاحظ الدقة!).. وهو الذي بني الهرمين العظيمين, قبل الطوفان بثلاثمائة سنة, وأودع فيهما أمواله وتحفه وكتبه النفيسة.
وذكروا ملكا عجيبا اسمه خرنثاه كان يجلس في السحاب, ويقيم به ستة أشهر, ثم ظهر بعد طلوع الشمس وهي في برج الحمل!..
أما فرعون موسي فاسمه الوليد بن مصعب.. أصله من نواحي الشام.. كان عطارا فتجمد عليه دين, فخرج هاربا من أصحاب الديون حتي دخل مدينة منف, وكان بشع المنظر, أعور بعينه اليسري, طول لحيته سبعة أشبار.. قصير القامة يعرج عرجا فاحشا.... وقد تمكن هذا الشامي بحيلة من حكم مصر بعد موت ملكها, وجمع الخراج ثلثمائة وسبعين مليونا من الدنانير الفرعونية, وقيل أن الدينار الفرعوني ثلاثمائة أمثال الدينار العربي.. وعاش هذا الفرعون أربعمائة سنة دون أن يمرض, وعندئذ ادعي الربوبية, فأرسل الله اليه موسي.. وغرق في بحر القلزم( الأحمر)..
قال القفاعي: لما غرق فرعون وقومه, صارت مصر ليس بها أحد من أشراف أهلها.. فحكمت امرأة يقال لها دلوكة..
هكذا كان تخيلهم عن الفراعنة, وأغلب الظن أنهم استقوا هذه الخرافات من عجائز القبط, وكان المسيحيون الأوائل قد دمروا أو شوهوا آثارا عديدة, علي أساس وثنية عقائد الفراعنة, أو من أجل نفائسها.
صائم الدهر
بمجرد فتح مصر انهمك العرب ينقبون في هوس بحثا عن كنوز الفراعين الخبيئة ويقول محمد عبدالله عنان في كتابه مصر الاسلامية
كانت مصر وقت الفتح الاسلامي غنية بتراثها الأثري القديم, رغم ما أصابه من عبث الفاتحين وكانت منارة الإسكندرية ومعابد الفراعنة وتماثيلهم في مصر القديمة وفي عين شمس وغيرها من الآثار الخالدة لاتزال قائمة, وكانت الأهرام الكبيرة مغطاة بقشرتها الملونة الحافلة بالنقوش والصور التي ربما كانت تنبيء عن سرها. ونعرف فوق ذلك أن الآثار المصرية القديمة, سواء فرعونية أو يونانية أو رومانية كانت أيام الفتح الاسلامي أضعاف ما كانت عليه يوم شهدها العلامة عبداللطيف البغدادي
وعبداللطيف البغدادي زار مصر في نهاية القرن السادس الهجري( خاتمة القرن الثاني عشر الميلادي) وترك لنا وصفا بما رآه ينم عن عقلية علمية, ذلك أنه كان قد درس الطب والفلسفة والمنطق والبيان, وكتب مؤلفات وصلنا منها الإفادة والاعتبار في الأمور الشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر وهو ملخص لكتاب كبير مفقود, وهو يتفوق علي الآخرين جميعا بدقة البحث والوصف والتعليل..
يقول البغدادي عن الأهرام الكبيرة انك اذا تأملتها وجدت: الملكات الهندسية قد أخرجتها الي الفعل وهي في غاية إمكانها, حتي إنها تكاد تحدث عن قومها وتخبر بحالهم وتنطق عن علومهم.. ويصف نقوشها الهيروغليفية بقوله وعلي تلك الحجارة كتابة بالقلم القديم المجهول الذي لم أجد بديار مصر من يزعم أنه يعرفه. وهذه الكتابات كثيرة جدا, حتي إنه لو نقل ما علي الهرمين فقط الي صحف لكانت زهاء عشرة آلاف صفحة.
كما يصف تمثال أبي الهول: عليه مسحة بهاء وجمال كأنه يضحك تبسما.. وأعجبني تناسب وجهه.
هذا الجمال الذي انبهر به عبداللطيف البغدادي في القرن الثامن عشر الميلادي, لم يسلم من محاولة هدمه بيد متعصب عاصر المؤرخ المقريزي الذي حكي عنه: وفي زماننا كان شخص يعرف بالشيخ صائم الدهر من جملة الصوفية.. قام في سنة780 هـ لتغيير أشياء من المنكرات, وسار الي الأهرام وشوه وجه أبي الهول وشعثه, فهو علي ذلك الي اليوم.
كان بعض أبوالهول مدفونا تحت الرمال ويتعجب القضاعي من براعة النحاتين الذين نحتوه قائلا: والعجيب من مصوره( أي ناحته) كيف قرر أن يحفظ التناسب للأعضاء مع عظمها, مع أنه ليس في الطبيعة مايحاكيه.
خوفو والمأمون
عندما جاء المأمون الي مصر طمع في كنوز الهرم الأكبر ونفائس خوفو..
وكان قد جاء بجيشه التركي لإخماد ثورة عارمة قام بها القبط والعرب بمصر جميعهم ضد ولاته المنحرفين, فطغي وتجبر وقتل الكثيرين وسبي النساء وباع الأطفال, ثم جمع بكل قسوة مئات الملايين عن الدنانير لم يكتف بها وطمع في كنوز صاحب الهرم الأكبر, وكان بمنطقة الأهرام وقته حوالي سبعة عشرة هرما أو ثمانية عشر, فأمر بفتح الأكبر:
واتفق لسعادته أن وقع النقب علي مكان يسلك منه الي الغرض المطلوب, وهو زلاقة( منحدر) من الحجر الصوان الذي لايعمل فيه الحديد, قد نقر فيها حفر يتمسك السالك بها لئلا ينزلق( وهذا هو مدخل الهرم الموجود الآن).. وانتهت بهم الزلاقة الي موضع مربع في وسطه حوض من حجر مغطي, فلما كشف غطاؤه لم يجد فيه إلا رمه بالية( مومياء). فأمر المأمون بالكف عما سواه(16)
وقد عثر علي جام أي وعاء أو كأس من زمرد وجد به بعض النفائس كان ثمنها يعادل بالضبط ما أنفقه المأمون في التنقيب.. فقال: الحمد لله الذي رد علينا ما أنفقناه!!
وهذا ما أورده المؤرخ أبو المحاسن بن تغري بردي.. ويورد المقريزي تفاصيل أكثر نقلا عن كاتب سابق له دخل الهرم وقد دخلت في داخله فرأيت فيه مربعة الأسفل وفي وسطها بئر, ينزل الانسان فيها فيجد في كل وجه من تربيع البئر باب يفضي الي دار كبيرة( غرف الدفن). فيها موتي
من بني آدم عليهم أكفان كثيرة( المومياوات) وأجسامهم مثلنا, ليسوا طوالا, ولم يسقط من أجسامهم ولا من شعورهم شيء, وليس فيهم شيخ ولا من شعره أبيض.. ويقال إنه في زمن المأمون وجدوا صورة آدمي من حجر أخضر فأخرجت الي المأمون, فإذا هي مطبقة, فلما فتحت وجد فيها جسد آدمي عليه درع من ذهب مزينة بأنواع الجواهر, وعلي صدره نصل سيف لا قيمة له, وعند رأسه حجريا قوت أحمر كبيضة دجاجة.. وقد رأيت الصنم( التابوت) الذي أخرج منه ملقي(!) عند باب دار الملك بمصر في سنة511 هـ.
هكذا ضاعت أثمن المومياوات بعد أن ظلت محفوظة داخل الهرم الأكبر آلاف السنين!
حبيبة أبي الهول
كان يقابل تمثال أبي الهول صنم عظيم الخلقة والهيئة متناسب الأعضاء, في حجره مولود علي رأسه ماجور( كأس أو وعاء). والجميع من حجر الصوان, يزعم الناس أنه امرأة, وأنها سرية أبي الهول( جاريته). ويقال لو وضع علي رأس أبي الهول خيط ومد الي سريته لكان رأسها مستقيما
أين ذهب هذا التمثال؟!.. يجيب المقريزي: نزل سنة الي711 هـ أمير يعرف ببيلاط في نفر من الحجارين وكسروا الصنم المعروف بالسرية, وقطعوه ظنا أن يكون تحته مال, فلم يجد سوي أعتاب( مصطبة أو قاعدة) من حجر عظيم
وإن كان بلاط هذا قد خاب أمله بعد أن دمر التمثال النادر, فإن من سبقوه: فازوا بكميات ضخمة من التحف أو النفائس والحلي النادرة من المعابد, ولم يحسنوا تقدير قيمتها الفنية الأثرية, فكانت يد التخريب تنقض وبلا رأفة وتباعا علي المعابد والتماثيل الفرعونية فتحطمها لتستخرج دفين كنوزها..
هدم الأهرام
استمر ذلك الي عصر صلاح الدين وما بعده, فقد كان عدد الأهرام كثيرا, كلها صغار, قال عنها المقريزي في خططه أنها:
هدمت في زمن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب, علي يد الطواشي بهاء الدين قراقوش, أخذ حجارتها وبني بها القناطر في الجيزة( وأيضا بعض سور القاهرة) وقد بقي من هذه الأهرام المهدودة تلها, وأما الأهرام( الثلاثة الباقية) فهي موضوعة علي خط مستقيم بالجيزة قبالة الفسطاط, وإثنان فيها عظيمان جدا في قدر وأحد ـ تقريبا.. وهذه ملاحظة صحيحة من المقريزي الي حد بعيد ــ وهما متقاربان ومبنيان بالحجارة البيضة, وأما الثالث فصغير عنها نحو الربع, ولكنه بني بحجارة الصوان الأحمر المنقط الشديد القوة والصلابة, ولا يكاد يؤثر فيه الحديد إلا في المدي الطويل... وقد سلك في بناء الأهرام طريق عجيب من الشكل والاتقان, ولذلك صبر علي مر الأيام, لا بل علي مرها صبر الزمان
ويذكر ابن ظهيره أنه في سنة593 هـ كان الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف, لما استقل بالملك, سول له جهله أصحابه أن يهدم الأهرام لأن تحتها مطلب( كنز) فبدأ بالصغير الأحمر, وأخرج الحجارين وجماعة من أمراء دولته وعظماء مملكته, وأمرهم بهدمه, فخيموا عنده, وأقاموا نحو ثمانية أشهر بخيولهم ومتاعهم, يهدمون كل يوم بعد الجهد وبذل الوسع الحجر والحجرين. قوم من فوق يدفعونه بالأسافين, وقوم من أسفل يجذبونه بالحبل الغليظة, فإذا سقط سمع له وجبة عظيمة( ضجيجا متصلا) من مسافة بعيدة, حتي ترتجف الجبال وتزلزل الأرض, ويغوص في الرمل, فيتعبون تعبا آخر حتي يخرجوه, ويضربوا فيه بالأسافين بعدما ينقبون لها موضعا فيتقطع قطعا, وتسحب كل قطعة علي العجل حتي تلقي في ذيل الجبل وهي مسافة قريبة ـ فلما طال الوقت ونفدت نفقاتهم ووهنت عزائمهم, كفوا عن ذلك محسورين ولم ينالوا بغية, بل شوهوا الهرم وأبانوا عن عجز وفشل..
أما منف العاصمة الفرعونية العريقة(12 ميلا من الفسطاط) فيقول ابن ظهيره أن أبنيتها وعجائبها وأصنامها وكنوزها لا تحصي.. وقد خر بها عمرو بن العاص
ويعلق العلامة البغدادي علي بعض هذا التخريب الذي شاهده بنفسه, ناعيا علي المسلمين هذه السياسة الحمقاء, مطلبا بالحفاظ علي هذه الآار حتي لو كانت للأعداء, وذلك لعدة مصالح, منها لتبقي تاريخا شاخصا, ومنها أنها تكون شهادة للكتب المنزلة, فإن القرآن الكريم ذكرها وذكر أهلها, ففي رؤيتها خبر الخبر وتصديقه الأثر, ومنها أنها تدل علي شيء من أحوال السلف وسيرتهم ووفرة علومهم وصفاء فكرهم... لكن في زماننا هذا تحرك الناس بحسب أهوائهم, وجروا نحو أطماعهم, فلما رأوا آثارا هاذلة راعهم منظرها, فانصرفت ظنونهم الي معشوقهم وهو الدينار, فهم كما قيل في مدمن الخمر:
وكل شيء رآه ظنه قدحا, وكل شخص رآه ظن الساقي فهم يحسبون كل شق منظور في جبل أنه يفضي الي كنز, وكل صنم عظيم أنه حافظ لما تحت قدميه, فصاروا يعملون الحيلة في تخريبه, ويفسدون صور الأصنام إفساد من يرجو عندها المال
كنز الأسكندر
كان منار الأسكندرية من أبدع الآثار اليونانية, ولأن معدودا من أحد عجائب العالم القديم, وقد ذكره عمرو بن العاص في خطاب بعث به الي الخليفة عمر بن الخطاب يصف فيه الأسكندرية:
أما بعد, فإني فتحت مدينة الأسكندرية, وهي مدينة لا أقدر أن أصف ما فيها, وهي ثلاثة مدائن بعضها فوق بعض, تخطف الأبصار من شدة بياض حيطانها, وفيها من الأعمدة الرخام مالا يحصي عددهم, وبها منارة في وسط البحر.. وهذا المنار من جملة عجائب الدنيا, ليس في سائر الدنياأعجوبة تشاكله. وبها عمود يقال له عمود السواري, له قاعدتان. ووجدت بالمدينة أربعة آلاف دار محكمة البناء مفروشة بالرخام الملون, وفي كل دار حمام تختص به
وعن قصة هدم هذه الأعجوبة نقل المقريزي في خططه عن المسعودي, أن ملك الروم بع الي الوليد بن عبد الملك بن مروان جاسوسا ذا رأي ودهاء, أخبره أنه جاء هاربا من ملك الروم الذي أراد قتله بسبب وشاية كاذبة, وأنه راغب في الإلام, وأسلم علي يد الوليد, وتقرب من قلبه, وحدثه عن دفائن( كنوز) في بلاد دمشق واستخرجها له طبقا لخرائط كانت معه, فلما رأي الوليد الأموال والجواهر شرهت نفسه واستحكم طمعه, فقال الجاسوس:
تحت منارة الأسكندرية أموال ملوك الأرض, ذلك أن الإسكندر احتوي( استحوذ) علي الأموال والجواهر التي كانت لمولك مصر,فبني لها تحت الأرض الأقباء والسراديب, وبني فوق ذلك منارة الأسكندرية, وكان طولها في الهواء ألف ذراع, والمرأة في علوه, والدبادبة جلوس حوله, فإذا نظروا العدو ف يالبحر في ضوء تلك المرأة صاحوا للقريبين منهم, ونشروا أعلاما تنذر البلد, فلا يكون للعدو عليهم سبيل. فبحث الوليد مع هذا الخادم( الجاسوس) جيشا وأناسا من ثقاتة الي الأسكندرية, فأزال المرآة وهدم نصف المنارة من أعلاها, فضج الناس وقد علموا أنها مكيدة وحيلة. وعرف الخادم أنه قد بلغ مأربه فهرب ليلا بمركب كان قد أعده(24)
ومهما كان الأمر من قصة هذا العميل الماكر, ومن التهويل في القصة وفي قوة المرايا العاكسة, فإن الذي بقي من طبقات المنار طبقته الأولي بارتفاع60 مترا. وهذا المنار أنشأه ثاني ملوك البطالة بمصر سنة280 قبل الميلاد. وكان عبارة عن برج ارتفاع120 مترا في جزيرة فاروس قرب شاطيء الأسكندرية, يعلوه مشعل يضيء ليلا. وفيما بعد تهدمت كذلك طبقته الأولي, ثم بني علي أساسه حصن قايتباي.
وفي عهد صلاح الدين الأيوبي حطم واليه علي الإسكندرية جميع الأعمدة الرومانية البديعة التي كانت قائمة حول عمود السواري, وألقي بها الي البحر, ظنا منه أنها ترد مراكب الفرنج وتصد الأمواج.
[/frame]
|
| التوقيع |
|
إرحل كزين العابدين وما نراه أضل منك
إرحل وحزبك في يديك
ارحل فمصر بشعبها وربوعها تدعو عليك
إرحل فإني ما ارى في الوطن فردا واحدا يهفو إليك
لا تنتظر طفلا يتيما بابتسامته البريئة أن يقبل وجنتيك
لا تنتظر اما تطاردها هموم الدهر تطلب ساعديك
لا تنتظر صفحا جميلا فالخراب مع الفساد يرفرفان بمقدميك |
|
|
|
|
08-08-2010, 02:45 AM
|
رقم المشاركة : [4]
|
|
إحصائية
العضو |
|
|
|
رد: تاريخ مصر وعظمتها.....الكاتب مجيد طوبيا
سادة العالم عشاق وعلماء
بقلم: مجيد طوبيا
02/08/2010
الاهرام المسائى
http://massai.ahram.org.eg/236/2010/...15335/219.aspx
[frame="3 10"] احتضن تل المقطم مدينة الفسطاط, واحتضنت الفسطاط مئات من قصص الحب وآلاف العشاق والعاشقات, أشهرهن عزة وبثينة, وكل واحدة منهما أحبها شاعر كبير حبا عارما.
وقد ظل انتشار اللغة العربية في مصر بطيئا حتي نهاية العصر الأموي ومعظم العباسي ـ لهذا لا نجد أدباء مصريين يكتبون بالعربية, والابداع يحتاج الي الحرية والي الزهو بالنفس. وحتي شعراء العرب المادحين لم يفدوا الي مصر, ويمموا صوب دار الخلافة في دمشق الأموية ثم بغداد وسامرا العباسيتين, طمعا في العطاء. لكن لما ولي الخليفة مروان بن الحكم ولده عبدالعزيز عام65 هـ علي مصر, كان ذا نفوذ, ودام بقاؤه بمصر طويلا, فقصده عدد من الشعراء العرب طمعا في الإجازة أي المكافأة.
* ذهول العاشق:
في سنة86 هـ وقع الطاعون بالفسطاط ولم يكن له علاج. والوباء لا يفرق بين كبير وصغير, فحصد ضمن من حصد الوالي عبدالعزيز( ابن الخليفة) وعاشقة شهيرة في تاريخ العرب هي عزة بنت جميل بن عمرو العمري, ودفنت بمصر, وكان أصلها من الجيزة كما قيل. وكانت من أحسن النساء وجها وأفصحهن لسانا وأحفظهن لكلام العرب. وهي معشوقة كثير الشاعر الذي عرف بكثير عزة من فرط افتتانه بها حتي ضرب المثل به. وقبل أن أخت الخليفة عمر بن عبدالعزيز سألت عزة في حياتها عن قصد كثير من البيت الذي قال فيه:
قضي كل ذي دين ووفي غريمه.. وعزة ممطول معني غريمها
وسألتها عن هدا الدين: فقالت عزة: لقد وعدته بقبلة ولم أنجزها له. فقالت أخت عمر بن عبدالعزيز, وكانت من النساء العابدات الصالحات: أنجز يها له وعلي إثمها. ثم أنها أعتقت أربعين جارية لأجل قولها: وعلي إثمها.
فلما بلغ كثيرا موت عزة أتي الي مصر وزار قبرها وبكي عنده, ورثاها بقصائد سنية. وقيل لما ماتت تغير شعره بعدها. فقال له قائل: ما بال شعرك قد قصرت فيه؟. فقال: ماتت عزة فلا أطرب, وذهب الشباب فلا أعجب.. واستمر بعد عزة في ذهول حتي مات سنة107 هـ ودفن بمصر, وقيل أنه مات سنة105 هـ
واحتوي سفح المقطم جسد العاشقين البائسين:
يقول د. زكي مبارك في كتابه العشاق الثلاثة:
وكان كثير قد تردد كثيرا علي مصر ومدح واليها عبدالعزيز بن مروان, ولقي في مرة من مرات خروجه من مصر عزة وقومها في طريقهم إليها, فحادثها طويلا ثم افترقا. فقدمت هي الي مصر وسار هو إلي الحجاز علي أن يعود فيلحق بها ولكن القدر لم يمهله فمات..
وكان كثير قصيرا أعور وكان شيعيا مفرطا في التشيع.. وكان الشيعة اندحروا في عهد بني أمية, ولم يبق لهم أمل في الظفر بالسلطان, ولا يثبت الرجل علي عقيدة مخذولة منبوذة إلا إذا كان علي جانب عظيم من قوة الروح.. وكان يؤمن بالتناسخ فيري أن الأرواح في تنقل من صورة الي صورة, فتساير الوجود من زمن الي أزمان. وكان يدين بالرجعة فيري أن لا خوف من الموت..( ومع ذلك) اكتفي بالسير في ركاب الخلفاء من بني أمية ليقي نفسه شر العوز, وليسلم من الاغتيال الذي كان يترصد أنصار الهاشميين في ذلك الحين.
* شهيد النساء:
احتوت الفسطاط كذلك عاشقا مشهورا هو جميل العذري صاحب بثينة من بني عذرة, والذي عرف بجميل بثينة. قدم الي عبدالعزيز بن مروان ممتدحا له فأحسن جائزته, وسأله عن حبه لبثينة فذكر له وجدا عنيفا, فوعده في أمرها, وأمره بالمقام, وأمر له بمنزل وبما يصلحه, فما أقام إلا قيلا حتي مات بمصر سنة82 هـ. وهو الذي قال عن الغواني:
يقولون جاهد ياجميل بغزوة.. وأي جهاد غيرهن أريد
لكل حديث عندهن بشاشة.. وكل قتيل بينهن شهيد
فلما وقع في حب بثينة بثها شعره:
علقت الهوي منها وليدا فلم يزل الي اليوم ينمي حبها ويزيد
وأفنيت عمري بانتظاري وعدها وأبليت منها الدهر وهو جديد
فلا أنا مردود بما جئت طالبا ولا حبها فيما يبيد يبيد
ويبدو أنها كانت تعطيه الأمل ولا تنجز.. فناجاها منشدا:
ألم تعلمي ياعذبة الريق أنني أظل إذا لم أسقي ريقك هاديا
ولم تقف بلية الحب عند الهيام بامرأة متزوجة, وهو مسلك يمقته جميل, فقد وقع لبثينة حب جديد مع رجل إسمه حجنة الهلالي, وبذلك وقعت الجفوة بينها وبين جميل, فصار الي حاله لا ينفع فيها دواء كان جميل قوي البنية طويل مابين المنكبين, شجاعا غاية في الهيبة والجلال. لم يعرف الخضوع إلا للحب. وكان غرام بثينة بحجنة سحابة صيف انقشعت, لتعترم الصبابة بالعاشقين من جديد. وحاول عمر بن أبي ربيعة التقرب منها لكنها سخرت منه رغم صيته. وكانت إمرأة ذكية القلب قوية الروح. وكانت النجوي بين هذين العاشقين تتصل من وقت الشفق الي إشراق الصباح.
ولما عاني جميل سكرات الموت بمصر, كانت وصيته الوحيدة إبلاغ بثينة أن اسمها كان آخر اسم هتف به عند الموت. وتجشم رجل مشقة السفر من مصر الي بلاد بثينة ومعه حلة جميل لتصدق أن محبوبها دفن بأرض الفراعنة. وذكر صاحب الأغاني عن الأصمعي أن بثينة لما بلغها خبر موت جميل, وكانت كأنها البدر صاحت بأعلي صوتها وصكت وجهها, واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتي صعقت, فمكثت مغشيا عليها ساعة.. وقال من شاهدها: مارأيت أكثر باكيا أو باكية من يومئذ.
* الحمار والسفاح:
ولأن كل ما له بداية له نهاية, فقد شاخت الدولة الأموية وحان أوان سقوطها. فلما كان آخر خلفائها وكان يعرف بالحمار والجعدي( ووصف الحمار هنا ليس شتيمة). وتسميته بالجعدي نسبة لمؤدبه جعد بن درهم, والحمار: يقال فلان أصبر من حمار في الحروب, ولهذا لقب بالحمار فإنه كان لا يفتر عن محاربة الخوارج. وقيل سمي بالحمار لأن العرب تسمي كل مائة عام( أي قرن) حمارا, فلما قارب ملك بني أمية مائة سنة لقبوا مروان بالحمار.. لأنه بويع بالخلافة سنة107 هـ فلم يهنأ بها لكثرة حروبه وظهور دعوات بني العباس
فلما قويت شوكة العباسية علي الأموية, وانكسر مروان الحمار وهرب, توجه الي مصر. وولي الخلافة عبد الله السفاح, وهو أول خلفاء بني العباس, أرسل مندوبا عنه في طلب مروان, فوجده وقد توجه الي الصعيد, فتبعه بمن معه من العساكر حتي ظفر به في قرية بوصير, وقطع رأسه هناك, وأخذ ماكان معه من الأموال والتحف, ودفن جثته هناك في بعض الشطوط من البحر بغير غسيل ولا تكفين..
فلما بلغ إبنه عبيد الله بن مروان ذلك قام الي خزائن المال وأخذ منها عشرة آلاف دينار, وأخذ شيئا من التحف والقماش والفرش, وحمل ذلك علي اثني عشر بغلا, وأخذ معه جماعة من عبيده, وشد علي وسطه كمية من الجواهر الفاخرة, وخرج من مصر هاربا الي بلاد النوبة.. فوجد مدائن خربة وبها قصور, فنزل في إحداها وفرشها من تلك الفراش التي معه. ثم أرسل غلاما يطلب الأمان من ملك النوبة المسيحي. فعاد ومعه رسول من عنده يسأله إن كان قد جاء محاربا أم لاجئا, فقال مستجيرا. فمضي ذلك الرسول وغاب ساعة ورجع يخبره بقرب مجيء الملك.
فإذا هو رجل أسود اللون طويل القامة نحيف الجسد, وعليه بردتان, ومعه عشرة من السودان من حوله ومعهم حراب بأسنة. فلما رآه الأمير استصغر أمره, فلما قرب من المكان احتاط به من العساكر آلاف الرجال السود وفي أيديهم الحراب.. وجلس الملك بين يدي الأمير عبيد الله, وجعل ينكش بأصبعه في الأرض طويلا, ثم رفع رأسه وقال للترجمان: قل له( للأمير) كيف سلب منكم الحكم وأنتم أقرب الناس الي نبيكم ؟. فقال الأمير: الذي سلب منا ملكنا أقرب الي نبينا منا..
سكت ملك النوبة وقال للترجمان: قل له فكيف أنتم تمتون الي نبيكم بقرابة وأنتم تشربون ماحرم عليكم من الخمر, وتلبسون الديباج وهو محرم عليكم, وتركبون في السروج الذهب والفضة, ولم يفعل نبيكم شيئا من هذا, وتكلف أهل القري ما لا يطيقون, وتفسدون الزروع علي الناس, وتروم الهدايا من أهل القرية, وكل هذا لأجل كركي( طائر) تصيده قيمته سبعة أنصاف( عملة صغيرة جدا) ؟
وصار يعد للأمير جملة من الذنوب وهو ساكت, ثم قال: لما استحللتم ماحرمه الله عليكم سلبتم ملككم, وأنا أخاف علي نفسي إن أنزلتك عندي, فتحل بي تلك النقمة التي حلت بكم,ولكن إرحل عن أرضي بعد ثلاثة أيام, وإلا أخذت مامعك من الأموال وقتلتك. ثم قام وانصرف..
وعاد عبيد الله الي الفسطاط, فقبض عليه وأرسل الي السفاح أول خلفاء بني العباس, وبه زالت دولة الأموية.
هكذا بدأت الدولة العباسية علي يد السفاح, بعد قتل الحمار آخر الأمويين, وكانت مقتلته في مصر. لكن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك هرب الي الأندلس وأنشأ الدولة الأموية هناك, وهو المعروف بعبد الرحمن الداخل وبصقر قريش.
* صديق الصعاليك:
وكما تحول العباسيون عن دمشق الأموية, وبنوا لأنفسهم عاصمة مشهورة هي بغداد, فعل ولاتهم في مصر وأسسوا ضاحية جديدة رسمية, في المكان الذي عسكر فيه الجند العباسي, فسمي العسكر.
وكانت هذه المدينة شمال شرق الفسطاط, وصارت مقرا للوالي والحكام, وقد حافظ العباسيون علي تغيير ولاتهم بسرعة خشية طموح أحدهم والاستقلال بمصر. فكان عصرهم منذ البداية وحتي مجئ أحمد بن طولون كثير الفتن, بسبب تمرد قبائل العرب علي الولاة أو علي بعضهم بعضا, أو بسبب قيام العلويين بمصر يطالبون بالخلافة, أو من القبط يثورون منفردين أو متحدين مع المسلمين, حتي بلغ عدد الولاة في عهد الرشيد17 واليا فيما يقرب من23 سنة, وفي عهد المأمون13 في حوالي عشرين سنة!
وطوال القرن وربع القرن بين بداية العباسيين سنة132 هـ واستقلال أحمد بن طولون بمصر سنة254 هـ ظل الحكم لا يختلف عما قبله, ولاة خاضعون لعاصمة الخلافة الجديدة في بغداد, مدينون لهم بولايتهم, متوقعون لعزلهم, لذلك كانوا يجمعون المال بأكثر وبأسرع ما يكون فلم يستقر الأدب في مصر لعدم استقرار الادارة. وكان معظم الولاة بخلاء.
ومن الشعراء الذين وفدوا علي مصر في هذه الفترة الشاعر الكبير دعبل الخزاعي, قال عنه صاحب الأغاني: شاعر مطبوع هجاء لم يسلم منه أحد من الخلفاء ولا من وزرائهم ولا ذو نباهة أحسن إليه أو لم يحسن ولا أفلت منه أحد وكان من الشيعة المشهورين بالميل إلي علي, وقيل عنه كان يخرج فيغيب سنين يدور الدنيا كلها ويرجع وقد أفاء وأثري, وكانت الصعاليك( وقطاع الطرق) يلقونه فلا يؤذونه ويؤاكلونه ويشاربونه.
جاء هذا الشاعر الي مصر والولي عليها إسمه المطلب بن عبد الله بن مالك الخزاعي ومدح المطلب هذا بقصيدة قال فيها:
أبعد مصر وبعد مطلب ترجو الغني ؟ إن ذا عجب
إن كاثرونا جئنا بأسرته أو واحدونا جئنا بمطلب
فصار عنده أحب الناس وولاه أسوان لكن طبعه غالب عليه وهجاه:
وعاديت قوما فما ضرهم وشرفت قوما فلم يتبلوا
شعارك عن الحروب النجاة وصاحبك الأخور الأفشل
* أبو نواس في مصر:
ومن قبل وفي ولاية الأمير موسي بن عيسي المعروف بالخصيب لوضاحة وجهه وفد عليه بمصر أبو نواس, الذي يصفه ابن إياس بأنه: كان إماما عالما فاضلا بارعا في العلم والأدب, وإنما غلب عليه حب الشعر واللهو والخلاعة وشرب الراح( الخمر). فانحطت رتبته بين العلماء. وإسمه الحسن بن هانئ, وإنما سمي بأبي نواس لأنه كانت له ذؤابتا شعر تنوسان علي قفاه.. دخل هذا الشاعر علي الخصيب ومدحه بقوله:
إذا لم تزر أرض الخطيب ركابنا فأي فتي بعد الخصيب نزور
فتي يشتري حسن الثناء بماله ويعلم أن الدائرات تدور
وهي طويلة فمنحه الخصيب ألف دينار, فلما كان الغد امتدحه بقصيدة أخري منها:
أنت الخصيب وهذه مصر فتدفقا, فكلكما بحر
فأمر له بألف دينار أخري فعاد في اليوم الثالث منشدا, وكان أهل مصر قد أحدثوا شغبا علي الخصيب لسوء الأحوال وغلاء الأسعار, وكان يشرب وعنده أبو نواس, فوثب وقال: دعني أيها الأمير أكلمهم, فسمح له فخرج حتي وافي المسجد الجامع, وقال للناس:
منحتكمو يا أهل مصر نصيحتي فإن عصا موسي بكف الخصيب
فانصرف الناس ومنحه الأمير ألف درهم وأمره بالرحيل فعاد إلي بغداد.
وقد عزل الخصيب بعد ذلك ولكن ليس بسبب غضب المصريين وزيادة الأسعار, وإنما لأنه قال: أنا أحسن من هارون الرشيد. فقال الرشيد والله لأولين علي مصر أوحش الناس شكلا. واستدعي شخصا اسمه عمر بن مهران وولاه علي مصر نيابة عن جعفر( أي من باطن جعفر). فلما سار دخل مصر وهو في أزري هيئة راكبا علي بغل, وغلامه علي حمار.
* جيوب الناس:
كما عاد الي مصر أبو تمام الطائي, وهو نشأ بها واعتاد أن يسقي الماء بالجرة في جامع عمرو وليقتات, فلما لم تعرف مصر قدر شعره ولم يمنحه وال, رحل الي بغداد فشاع ذكره وطارت شهرته. وعاد الي مصر مادحا واليها, وكان اسمه عياش الحضرمي.. فكانت هذه الحكاية الطريفة. في البداية مدح الشاعر هذا الوالي عياش:
رأيت لعياش خلائق لم تكن لتكمل إلا في الأديب المهذب
لكن هذا الأديب المهذب عياش كان بخيلا ولم يلتفت إليه. وطالت إقامة أبي تمام الطائي, وجاء عيد الفطر والأضحي وهو ينتظر المنحة, وعندئذ قال مستبطئا:
الفطر والأضحي قد انسلخا ولي أمل ببابك صائم لم يفطر
ولزم عياش الصمت. فعاتبه محذرا:
وقواف قد ضج منها استعمل فيها المرفوع والمخفوض
يا محب الاحسان في زمن أصبح فيه الاحسان وهو بغيض
ثم ذمه وهجاه:
ستعلم يا عياش إن كنت تعلم فتندم إن خلاك جهلك تندم
وقفت عليك الظن حتي كأنما لديك الغني, أو ليس في الأرض درهم
فلما مات عياش اغتاظ الشاعر وقال:
فيمن يش الشعر غاراته بعدك أو أمثاله السائرة
قد كانت الدنيا شفت لو عتي منك, ولكن غدت بالآخرة
لكن جميع هذا لا علاقة له بنشأة الأدب المصري المكتوب بالعربية, شاعر يصطنع الشعر للإرتزاق, والوالي إن منح فمن مديده الي جيوب المصريين بالخديعة أو بالسوط!
* الليث والشافعي:
من أئمة الدين عرفت مصر الليث بن سعد, وهو فارسي الأصل مصري المولد, ولد ببلدة قلقشندة المصرية. قال عنه الإمام الشافعي الليث بن سعد أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به. وكان عظيم المنزلة عند الوالي والقاضي حتي كانا لا يقطعان أمرا دون مشورته.
وهو الذي أشار علي الوالي موسي بن عيسي أن يأذن للنصاري في بنيان الكنائس التي هدمها سلفه, قائلا: إن كنائس بمصر( الفسطاط) بنيت في الاسلام في زمان الصحابة والتابعين. وقد أسف الإمام الشافعي لكونه لم يدرك الليثي بمصر, إذ كان قد مات سنة175 ه.
وكان أول ما عرفه المصريون من المذاهب الفقهية هو مذهب الإمام مالك.. وكانوا لا يعرفون خلافا ولا يجري بينهم نقاش إلا كما يجري بين أهل المذهب في الفروع التي يهون أمرها.. حتي حل الأمام الشافعي سنة199 هـ وقيل201 هـ فحدث خلاف شديد, وكان الإمام قد زار بغداد وكانت موطن القياس الذي جري عليه الإمام أبو حنيفة النعمان وأصحابه,وكانت أيضا مقر الفلسفة والمنطق, فاستفاد من حرية الرأي والفهم والتخريج.
لذلك كانت طريقته جديدة وجريئة في نظر المصريين. فلم يلبثوا بعد أن سمعوا كلامه أن رموه بأشياء كثيرة, حتي لقد ضربوه في حلقات درسه ضربا مبرحا, حمل علي أثره الي منزله عليلا.. وذكروا أن القاضي عيسي بن المنكدر كان يصيح به: ياكذا دخلت البلاد وأمرنا واحدا ففرقت كلمتنا وألقيت الشر بيننا, فرق الله بين روحك وجسدك!
ويكمل محمود مصطفي معلقا:
مع أن دخول الشافعي مصر كان بركة ويمنا علي المصريين, لأنه علمهم مناقشة الحقائق بعد أن كانوا يستسلمون الي الرواية استسلاما. ولا شك أن للجدل والمناظرة أثرهما في تنوير الأذهان. وقد كان لادبه وعلمه باللغة ورواية الأشعار أثر عظيم في حسن عبارته.. وكان مولده بغزة من فلسطين سنة150 هـ وشب في مكة ثم رحل الي المدينة وتلقي الحديث عن الإمام مالك بعد أن كان حفظ الموطأ, ثم رحل الي بغداد.. وجاء الي مصر سنة199 هـ وألقي دروسه بجامع عمرو
وعاش أربعة وخمسين عاما, واستمر بمصر الي أن مرض بعلة البطن.. فلما أشرف علي الموت أوصي ألا يغسله إلا أمير البلد, فلما مات حضر الأمير وعلم أنه مات وعليه دين سبعون ألف درهم قضاها عنه الأمير, وقال: هذا غسلي له
مع أن المصريين عندما علموا فضله كانوا يرسلون له الهدايا والهبات. وكان له راتب من السيدة نفيسة رضي الله عنها, كما كانت زوجة الرشيد ترسل اليه من بغداد مالا وثيابا. لكنه كان كريما. وقد أحب مصر, وكان مسافرا عنها فأنشد مشتاقا.
وإني أري نفسي تتوق الي مصر ومن دونها عرض المهامة والقفر
وقال عنه المؤرخ إبن زولاق: أنه كان واسع الاطلاع, حسن الخلق, سخي النفس, قليل الغضب, فكه المحاضرة. ومن نظمه في كلام الناس.
الذين لايرضيهم أي شيء:
إن كنت منبسطا سميت مسخرة أو كنت منقبضا قالوا به ثقل
وإن أخالطهم قالوا عن طمع وإن تجنبتهم قالوا به علل
وإن طعمتهم قالوا يصانعنا وإن منعتهم قالوا به بخل
وكان الإمام الشافعي حتي وفاته204 هـ(819 م) هو قطب الحركة الفكرية في الحلقات الفكرية التي كانت تعقد في الفسطاط, لأن مدينة العسكر كانت مركزا للإمارة والإدارة العباسية فقط.. لكن هذه الحلقات الفكرية كانت تتعرض من حين لآخر لمعاكسات الوالي وعسكره حسب التغيرات السياسية, مثلما حدث عام226 هـ عندما أمر القاضي محمد بن أبي الليث قاضي قضاة مصر, تنفيذا لرغبة الخليفة العباسي, بالقبض علي جميع الفقهاء والمحدثين والأدباء بإسم الامتحان في مسألة خلق القرآن المعروفة بالمحنة, فملئت السجون بالمنكرين لخلقه, وأغلق المسجد الجامع في وجه الملكية والشافعية, وقضت حلقاتهم العلمية والأدبية... وكانت أشهر هذه الحلقات حلقة بني عبدالحكم, وهي ثمرة مصرية نابهة ثرية, أنجبت بعض كبار الفقهاء, وأنجبت عبدالرحمن بن عبدالحكم أقدم مؤرخ لمصر الاسلامية.
عن مسألة المحنة: فقد حدث في زمن المأمون ثم أخيه المعتصم ثم الواثق( الفترة مابين218 ـ234 هـ) اتخذت الدولة العباسية الاعتزال مذهبا رسميا لها وأرادت فرض اعتناقه علي جميع رعاياها, وكان من أفكار المعتزلة أن القرآن حادث مخلوق نزل في ظروف معينة ولم يكن موجودا منذ الأزل.. وكل من رفض ذلك عذب أو سجن.. وقد أمر القاضي ابن أبي الليث أن يكتب علي المساجد: لا إله إلا الله رب القرآن المخلوق.. أما ذو النون المصري( المتصوف الإخميمي) فقد حاول الهرب فلما وقع في يد القاضي أقر بخلق القرآن.
* ذو النون المصري:
وقد كان لمصر سبق مذكور في ميدان التصوف, وذلك منذ ظهور عهد الرهبنة المسيحية.. ويقول أحمد أمين أن المتصوفة لما جاءوا فلسفوا الزهد, ولان من زهدهم لبس الصوف الخشن كما يفعل رهبان النصاري, فسموا من أجل ذلك بالصوفية..
وعن أشهر المتصوفة الحلاج ورابعة العدوية التي ملأت التصوف بحب الله.. أما ذو النون المصري فهو أحد مؤسسي التصوف, أصله من اخميم بصعيد مصر, وصف بأنه كان يعرف الكيمياء ويقرأ الخط الهيروغليفي.. وقد زعم أن ملوك مصر الفراعنة خافوا ضياع علومهم بالطوفان فبنوا البرابي( المعابد) وصوروا فيها كل آلات الصناعات, وأودعوا فيها كل أسرارهم, وأنه استطاع أن يعرف هذه الأسرار!
وهو قد رحل إلي بلاد كثيرة من المغرب وبيت المقدس وانطاكية واليمن وبغداد ومكة والمدينة, وقابل الرهبان وتحدث إليهم, ثم طلع علي الناس في مصر بكلام لم يألفوه عن الحب الإلهي, وأن مصادر المعرفة هي: النقل والعقل والكشف, وأن هناك علما ظاهرا وعلما باطنا, وعرض هذه الأمور بأسلوب شعري جذاب, فاتهموه بالزندقة.
ولاقت أفكاره معارضة الفقهاء الذين لايؤمنون إلا بالنقل, فإن تجاوزوه فبالعقل, أما الكشف وعلم الباطن والحب والفناء فشيء لم يسمعوا به فعارضوه. وكان علي رأس المعارضين سيد فقهاء المالكية محمد بن عبدالحكم, وابن أبي الليث قاضي مصر الحنفي الجبار.. فأرسلوا ذا النون الي دار الخلافة ببغداد فسجن في المطبق( السجن). ولكن مساعي صوفية بغداد جعلت المتوكل يستدعيه ويسمع منه فتأثر بمواعظه وأرسله الي مصر مكرما, ليموت بعد ذلك بتسع سنوات سنة245 هـ بالجيزة. وبشكل عام فإن الصوفية في بعض نواحيها ـ كما يقول أحمد أمين ـ مدينة كلها في مصر لتعاليم ذي النون المصري, فهو مبتدع المقامات والأحوال, وله تعبيرات أخذت في تعبيرات الصوفية مثل: كأس المحبة, وهو أول من عرف التوحيد بالمعني الصوفي.. ومن أقواله ان المعرفة ثلاثة أقسام, الأول خط مشترك بين عامة المسلمين, الثاني معرفة خاصة بالفلاسفة والعلماء, والثالث وهو العلم بصفات التوحيد خاص بالأولياء الذين يرون الله في قلوبهم..
ولما سئل كيف عرفت ربك, قال: عرفت ربي بربي, ولولا ربي ماعرفت ربي.
علي الجملة فذو النون المصري شخصية كبيرة, لم تزل غامضة حتي اليوم.
[/frame]
|
| التوقيع |
|
إرحل كزين العابدين وما نراه أضل منك
إرحل وحزبك في يديك
ارحل فمصر بشعبها وربوعها تدعو عليك
إرحل فإني ما ارى في الوطن فردا واحدا يهفو إليك
لا تنتظر طفلا يتيما بابتسامته البريئة أن يقبل وجنتيك
لا تنتظر اما تطاردها هموم الدهر تطلب ساعديك
لا تنتظر صفحا جميلا فالخراب مع الفساد يرفرفان بمقدميك |
|
|
|
|
08-08-2010, 03:06 AM
|
رقم المشاركة : [5]
|
|
إحصائية
العضو |
|
|
|
رد: تاريخ مصر وعظمتها.....الكاتب مجيد طوبيا
اللغة من القبطية إلي العربية
بقلم: مجيد طوبيا
03/08/2010
http://massai.ahram.org.eg/237/2010/...15360/219.aspx
[frame="4 10"] . لماذا انتشرت اللغة العربية في مصر, مع أنها لم تنتشر في إيران بلاد الفرس ولا في تركيا؟!. هذا هو السؤال.. لماذا وكيف؟!
يجب أن نتذكر الظروف التاريخية.. ونعود إلي ماقبل الميلاد بألف عام, عندما تدهورت حال مصر وخبا مجد الفراعين تماما, وانقسمت البلاد إلي أقسام متناحرة, أو وقعت في أيدي الأجانب, إما بأكملها أو متجزئة, تنهشها غزوات من الغرب ومن الجنوب, ومن الشرق حيث جاء الفرس في احتلالهم الأول(525 ـ398 ق. م) ثم الاحتلال الثاني(341 ـ330 ق. م) الي أن بدأ العصر اليوناني والبطلمي واستمر حوالي ثلاثة قرون(323 ق. م ـ32 ق.م) والذي حل محله العصر الروماني الوثني ثم المسيحي( من30 ق. م إلي641 م.) أي أن الاحتلال اليوناني ثم الروماني استمر حوالي الف عام, عشرة قرون( تخللتها عودة الفرس الثالثة بين عامي616 ـ629 م)
أي أن المصريين القدماء فقدوا حريتهم وهويتهم مايقرب من خمسة عشر قرنا, سبقتها حقبة بائسة من التمزق والحروب الاهلية وانعدام الأمن والفوضي والانحطاط.
ومن المؤكد أن كل هذه الأحوال البائسة والمستمرة قد أضعفت الي حد كبير جدا من إحساس المصريين بقوميتهم, علي عكس ماحدث للفرس والترك.. إذ ان الخلفاء العرب مع أفول الدولة الأموية استعانوا بالمرتزقة الفرس ثم الترك في جيوشهم, حتي سيطروا علي الحكم. بينما بقي المصريون ماكانوا عليه قبل الفتح العربي: محرومين من حمل السلاح والانخراط في الجيوش, مهمتهم فقط إما العمل في الزراعة والصناعة ودفع الجزية والخراج, والخنوع والخضوع وإما الموت أو الحبس في السجون الكئيبة.. حدث هذا بشكل مستمر, سوي فترات قصيرة نعموا فيها ببعض الحرية.
طبعا وقطعا, ولايمكن أن يتصور أحد أن المصريين تكلموا العربية واعتنقوا الاسلام بمجرد غزو العرب لهم. والتسلسل التاريخي يعطينا صورة عن كيفية حدوث هذا التحول. تقول الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف:
كان العرب في مصر وغيرها من البلاد التي فتحوها يخيرون أهل البلاد المفتوحة بين ثلاثة أمور: الإسلام أو الجزية أو الحرب! كذلك لم يكن للإسلام مبشرون أو دعاة مخصوصون يقومون بالدعوة كما كان للديانة المسيحية.
كسب الود
وحينما فتح العرب مصر أخذوا يتحببون الي الأقباط كي يضمنوا ولاءهم, الي أن تستقر أقدامهم في مصر..
وبعدما استولي عمرو بن العاص علي الاسكندرية, أعاد اليها بنيامين بطريارك الأقباط الذي كان قد أضطر الي الاختفاء عند مجيء قيرس( المقوقس) إلي مصر, فعم السرور بين الأقباط. لذلك انتصر المسلمون للأقباط الأرثوذكس علي أتباع المذهب الملكاني, فاسترد الارثوذكس عددا من الكنائس والأديرة التي كانت في يد الملكانيين, وفي ولاية قرة بن شريك علي مصر فرض علي الملكانيين جزية مضاعفة..
كذلك ترك العرب مقاليد الأمور في يد أهل مصر من الأقباط, محتفظين لأنفسهم بالسيادة وتنفيذ أحكام الدين, والمعروف أن الأقباط حلوا محل الروم الذين غادروا مصر.
وكان في الحكومة المركزية في الفسطاط( أو حلوان التي اتخذها عبد العزيز بن مروان حاضرة له) كاتبان قبطيان, واحد لادارة الوجه البحري والاخر لإدارة الوجه القبلي, وكان هؤلاء الكتاب أو الرؤساء المسيحيون خاضعين للوالي بطبيعة الحال, والظاهر أن رؤساء المالية كانوا قبطا طوال العصر الأموي, وفي بداية العصر العباسي كان هناك رئيس للمالية من المسلمين.. وحتي نهاية ولاية عبد العزيز بن مروان كان والي الصعيد قبطيا..
غير أن سياسة العرب نحو القبط بدأت تتغير عما كانت عليه في السنين الأولي التي تلت الفتح, ووجد قسم كبير من القبط أن من مصلحتهم دخول الاسلام والتعرب هربا من مضايقات اجتماعية وادبية, وفرارا من الضرائب المتزايدة عليهم, او رغبة في الاحتفاظ بمناصبهم.
وكانت اللغة اليونانية منتشرة بمصر من ايام البطالمة, واثناء حكم الرومان, حتي ان الوالي الروماني كان يصدر منشوراته الي المصريين باليونانية, وكانت بعض صلوات الكنائس ترتل بها, علي حين كان مرتلوها يتكلمون فيما بينهم بالقبطية.. وقد كتبت القبطية بحروف يونانية, وكانت الغلبة لليونانية في المدن حيث كانت تدرس في المدارس, أما في الارياف وبلاد الصعيد خاصة فكانت الغلبة للقبطية.. وفي القرن السادس الميلادي لما ازدادت ثورات المصريين ضد الرومان وضد كل ماهو اجنبي, حاربوا اللغة اليونانية في الكنائس واعادوا القبطية مكانها. لكن بقيت اليونانية الي ما بعد الفتح الاسلامي في البرديات الرسمية.
وقد ساعد الفتح الاسلامي ـ أولا ـ علي إحياء اللغة القبطية علي حساب اليونانية, فاصبحت الدروس الدينية تقرأ بالقبطية وتشرح بها. كذلك نجد أن البلاد والاقاليم التي سميت باسماء يونانية ايام اليونان والرومان, اصبحت تعرف باسمائها القبطية.
وفي مبدأ الفتح حرم عمرو بن العاص علي القبائل الوافدة معه اتخاذ المزارع بامر الخليفة عمر بن الخطاب, ليكونوا في حالة تأهب دائمة للقتال.. ولابد ان عددهم زاد بالتوالد وتتابع الهجرات, التي كان من اسبابها حلول القحط في بلاد العرب في بعض الاعوام, وكانت مصر والشام ملجأ العرب حين حلوله في الجاهلية, وكانوا يسمون هذه الاعوام اعوام الجلاء.
هجرة ثم تهجير
ولما فتحت مصر وشاع خبر خصبها, كانت مقصد كل طامع في الرخاء واليسر, يقدم اليها آنسا بمن فيها من بني اعمامه واخواله من الفاتحين. كما استلزمت سياسة العصبية القبلية ان يستكثر الوالي حوله من اهل قبيلته حيث يكون, ليكونوا ظهره وعونه علي اعدائه من القبائل الاخري. وكذلك كان الخلفاء يحرصون علي ان يكون لهم بكل ولاية جمهور من انصارهم ليأمنوا الثورة.
وبالاضافة الي جيش الفتح ارسل عمر بن الخطاب قبيلة بكي فسكنت حول إخميم ثم تصالحت مع جهينة علي ان يكون لها من الشرق الي عيذاب( القصير).
لكن مع ذلك ظل العرب الي آخر الدولة الاموية قلة الي جانب الامة المصرية أو القبطية. وبقي اهل الريف يتكلمون بالقبطية ولايعتنقون الاسلام. وإن كانت الفسطاط قد اجتذبت عددا من الاقباط من العاملين بالحكومة, لان جميع الاعمال الحكومية كانت في ايدي المحكومين اصحاب اقدم حكومة مركزية في العالم, ولان عرب الصحراء لم يكونوا ليعرفوا شيئا عن نظم الحكم اكثر مما عرفوه في نظامهم القبلي.
والي آخر القرن الأول الهجري( اوائل الثامن الميلادي) كان الطابع الذي يطبع علي الورق يشمل عبارة: الاب والابن والروح القدس بالقبطية. ومع ان ذلك استبدل بعد ذلك بما يتفق والدين الاسلامي, إلا أن الكتبة ظلوا يرسمون علامة الصليب علي ظهر اوراق الحكومة.
حتي جاءت ولاية عبدالله بن عبدالملك بن مروان(85 ـ90 هـ) فأمر بالدواوين فعربت, وبعد ذلك في سنة109 هـ يئس الوالي الوليد بن رفاعة من إدماج عدد يذكر من المصريين الي صفوف المسلمين, فلجأ الي استدعاء خمسة الاف من العرب, واسكنهم في الوجه البحري بالشرقية والدقهلية. وفي الواقع فان مصر لم تصبح إسلامية إلا ببطء شديد.. واقتصر استيطان العرب علي المدن الكبيرة ردحا طويلا من الزمن.
وقد وزعت القبائل العربية في انحاء مصر تباعا كما يلي: نزل من بني سليم( وهم من قيس) ثلاثة آلاف سكنوا الحوف الشرقي( الشرقية والدقهلية). انضم اليهم تباعا عدة الاف اهل بيت. وسكن اخرون في وسط الدلتا وفي الاسكندرية. وسكنت قريش في الاشمونية, ولوتة في معظم بلاد البهنسا, ومنهم طوائف بالجيزة والمنوفية. وفي الفيوم بنوكلاب.. ونزلت قبائل في القليوبية وأسوان.. وكانت هذه القبائل كثيرة التنقل, فان اشتركت اكثر من قبيلة في جهة واحدة, وقع القتال بينها حتي يكون منها غالب ومغلوب.
هذا ما ذكره محمود مصطفي. بينما ابن إياس يقول ان القرافة سميت باسم طائفة يقال لهم قرافة, نزلوا هناك.
وعن ذلك بايجاز يقول د. احمد مختار عمر: ان طريق سيناء كان دائما قنطرة مفتوحة لهجرات منذ الفراعنة, ومن هذه الهجرات ما كانت تؤخذ فيها موافقة حاكم مصر.. ومن هجرات ما قبل الاسلام:
1 ـ قبائل عرب كهلانية من عرب الجنوب ذات اصل قحطاني, استقرت في شمال شرق الدلتا.
2 ـ قبيلتا لخم وجذاب: استقرتا في الشرقية.
3 ـ قبيلة بلي: استقرت ما بين القصير وقنا.
4 ـ هجرة بطون من خزاعة بسبب جدب بلادهم.
5 ـ تحدث هيرودوت عن قبائل عربية شغلت المساحة بين سواحل البحر الاحمر والنيل.
6 ـ قبل فتح مصر وفي عهد عمر بن الخطاب هاجرت الي مصر قبائل من غسان ولخم وجذام وعاملة, وكانت تدين بالمسيحية, واستقرت شمال غربي سيناء
ومع الفتح استقرت في مصر قبائل الغزو, ثم لحق بهم أهل القربي, وكان كل وال يأتي بأهل عشيرته للتقوي بهم ويستقرون... وفي الفترة ما بين سنتي133 ـ242 هـ هاجرت الي مصر واستوطنت33 قبيلة منها:
1ـ قبيلة لخم التي رحل بعضها مع الفاتحين, ثم دخلت قبائل كثيرة منهم في القرنين السابع والثامن وحطت في جهات الاسكندرية, وكان منهم أمير حكم مصر عام133 هـ(750 م) وكان تعيين وال من قبيلة معينة أكبر الفرص للمهاجرة, فقد كان يرافقه أكثر من عشرين ألف مقاتل.
2ـ قيس عيلان: الذين حطوا في مصر عام109 هـ(727 م) بأعداد كبيرة ونزلوا بالحوف الشرقي( الشرقية والدقهلية). وبعد سنة لحق بهم نحو خمسمائة أسرة أخري.. وكان توطينهم في هذه المنطقة مقصودا, لأن أهلها القبط قاموا بثورتهم الأولي عام107 هـ أي قبل عامين.. أي أن هذه الهجرة كانت الي موقع آهل بالأقباط, علي عكس القبائل الأخري التي لم تختلط بسكان الريف والقري.
تداخل الألسن:
ومع ذلك بقي غالب القبط( المصريون) علي لغتهم الموروثة, بدليل أن الخليفة العباسي المأمون عندما جاء بجيوشه التركية سنة216 هـ أي بعد حوالي مائتي سنة من الفتح, لقمع ثورة القبط والعرب فيها, كان معه مترجم, يتضح ذلك مما رواه ابن إياس, عندما حكي عن حوار دار بين المأمون وفلاحة قبطية اسمها ماريا, كان يدور عن طريق مترجم. ولم يبدأ القبط في ترك لغتهم القبطية إلا في أواخر القرن الرابع الهجري وكان أهم العوامل في ذلك نزول القبائل العربية الي الريف المصري واستقرارها بالصعيد والدلتا.
فصارت مراسيم الكنيسة تكتب بالقبطية وتشرح بالعربية.. ومازال الزمن يتقدم والعربية تنتشر حتي كان المثقف المصري في القرن العاشر الميلادي يفتخر بأنه يعرف القبطية... وأخيرا كانت القبطية لا تستعمل إلا بالأديرة وعلي ألسنة نصاري الصعيد.
وبعد اختلاط العنصرين العربي والقبطي تكلم العرب القبطية وصرنا نجد كلمات يتخاطب بها المصريون الأن وهي قبطية الأصل: ماجور: وعاء ـ عا: لحث الحمار علي السير ـ طحطا: هيكل الأرض ـ ياما: كثيرا ـ بشبش: لين وطري ـ بعبع ـ عفريتـ بك: أسقط, بك الدمع من عينيه ـ أردب: وأصله أرطبة ـ ويبة: سدس أردب ـ طياب: ريح الشمال ـ مرس: ريح الجنوب ـ يم أو يام: بحر ـ كاني وماني: سمن وعسل ـ تاراللي: قليل الفهم أو مخرف ـ سهراية: حرارة الشمس أصلها شاهري ـ شأشأ: طلع ـ حاتا باتا: جلد علي عظم أي لا شيء عندي ـ حتتك بتتك: أخذ كل شيء, والأصل أكل الجلد والعظم ـ جاي: النجدة.
هدم وتنكيل
هذا عن اللغة, وهي مرتبطة بثلاثة عوامل: استيطان آلاف العرب, تعريب الدواوين والمعاملات الرسمية, وانتشار الإسلام وهذا تاريخ ارتبط بالعامل الاقتصادي وبالقمع.. نقرأ في كتاب مصر في عهد الولاة.
فالواقع أن العصبية الدينية تغلبت علي العرب بعد الفتح, وتغلب عليهم الشعور بالتفوق علي غيرهم من الشعوب, بعد أن أنشأوا امبراطوريتهم بحد السيف, فرأوا أن يتميزوا عن غيرهم في اللباس والزي والركوب وغير ذلك مما يشعرهم بأنهم السادة وغيرهم دونهم, ولذا نراهم يعاملون أهل الذمة معاملة الطبقة الدنيا مهما كانت ثرواتهم أو مراكزهم في الدولة, مما حمل الكثير علي الدخول في الدين الاسلامي, رغبة في التخلص من تلك المضايقات, كما أن العرب رأوا أن ليس عليهم( أهل الذمة) أن يبنوا كنائس جديدة ويكفيهم أن يبقوا علي ما وجدوه, وألا يتدخلوا في شئون أهل الذمة الدينية.
حتي كانت ولاية عبد الملك بن مروان ففصل عبد الله اشناس القبطي من وظيفته بالدواوين وعين مكانه يربوع الغزاوي المسلم من أهل حمص سنة87 هـ.. ثم حاول الخليفة عمر بن عبد العزيز(99 ـ101هـ) احلال المسلمين محل المسيحيين حتي في الوظائف الصغيرة.. وأمر الأقباط بالتخلي عن أعمالهم في الدولة ماداموا علي دينهم, أما من يرد الاحتفاظ بعمله فليكن علي دين محمد. وكذلك استبعد رؤساء الكور( البلاد) الأقباط وأحل محلهم المسلمين, وربما أدي هذا الي اسلام الكثيرين آنذاك كي لا يتركوا وظائفهم, مع أن القرار ذاته لا يمكن أن يكون قد استمر كثيرا بعد وفاته لأن الأقباط ظلوا يشغلون كثيرا من المناصب, وظل بعض رؤساء الكور والقري يختارون من الأقباط...
ومن المضايقات التي وقعت للأقباط أن الخليفة يزيد بن عبد الملك أمر سنة104 هـ بكسر الصلبان في كل مكان ومحو الصور والتماثيل التي في الكنائس.. ولم تنج في هذه الحركة بعض الآثار الفرعونية من الهدم والتخريب..
وقد أصاب أقباط مصر كثير من الأذي أثناء الفتن التي قامت من أجل النزاع حول الخلافة. فعندما أتي الخليفة مروان بن محمد هاربا الي مصر( وهو المعروف بالحمار ـ بعد انتصار العباسيين) عاث جنوده في البلاد فسادا, فقتلوا جماعة من رجال الدين الأقباط ونهبوا أموالهم وسبوا نساءهم, كما أحرقوا ديارات عدة وهدموا الكثير من الكنائس, واعتدوا علي كثير من الراهبات.
ولاشك أن التعصب لكل ماهو عربي ومسلم, وتعريب الدواوين, حمل كثيرا من المسيحيين في عصر الولاة علي اعتناق الدين الاسلامي وتعلم العربية.
وإلي جانب ماسمته د. سيدة اسماعيل كاشف المضايقات يأتي عنصر الاقتصاد, أو حسب التعبير المصري لقمة العيش:
سرعان مانجد أن المصريين عادوا الي ماكانوا فيه تحت حكم الرومان, فوقعوا تحت الأعباء الكثيرة التي تطلبتها الخلافة, وأصبح المطلوب منهم توفير المال اللازم لبيت المال وللمنتفعين من الولاة والموظفين.. ولذا كانت الجزية سببا في إسلام الكثيرين.. وهذا معناه مضاعفة الجزية علي من بقي من الأقباط علي دينه حتي قيل: إن الخليفة عمر بن عبد العزيز أرسل الي عامله علي خراج مصر أن يجعل جزية موتي الأقباط علي أحيائهم!..
والملاحظ أن الأعباء المالية أخذت تزداد تدريجيا علي الأقباط, مما دعا الكثيرين الي الاسلام فرارا منها, وكلما كثر عدد الأقباط الذين يدخلون الاسلام كثر العبء المالي علي من بقي علي دينه منهم...
وكذلك بدأ والي مصر عبد العزيز بن مروان سنة فرض الجزية علي الرهبان, ففرض دينارا جزية علي كل راهب, وأمر ألا يترهب أحد بعد أن أحصاهم, وكانت هذه أول جزية أخذت من الرهبان, والمعروف ان الرهبنة كانت منتشرة حينذاك, ساعد علي انتشارها ماوقع للمصريين من ظلم واضطهاد زمن الرومان والبيزنطيين.. وقد لجأ كثير من الأقباط الي هذه الأديرة كي يتخلصوا من الضرائب.. ولعل الولاة حاربوا الرهبنة بسبب ذلك.. فأخذ بعض الأفراد يهربون الي مناطق مختلفة غير تلك التي كانوا مقيدين فيها بعد أن وجدوا ألا فائدة من الاعتصام في الأديرة...
وأمر الوالي عبد الله بن عبد الملك بوسم الغرباء علي أيديهم وأرجلهم.. وفي عهد الوالي الذي تلاه صارت أسرات بأسرها رجالا ونساء وأطفالا تهرب من مكان لعجزها عن دفع الجزية.
وفي ذلك يقول المقريزي: اشتد متولي الخراج علي النصاري وأوقع بهم وأخذ أموالهم. ووسم أيدي الرهبان بحلقة حديد, فيها اسم الراهب وديره وتاريخه, وكل من وجده بغير وسم قطع يده.. ثم كبس علي الديارات فقبض علي عدة من الرهبان بغير وسم فضرب أعناق بعضهم, وضرب باقيهم حتي ماتوا تحت الضرب.. ثم هدمت الكنائس.
وبعد ذلك وفي زمن هشام بن عبد الملك تشدد نائبه علي النصاري وزاد في الخراج, وأحصي عدد الناس والبهائم, وجعل علي كل نصراني وسما صورة أسد, وتتبعهم فمن وجده بغير وسم قطع يده.
وصل الجشع في جمع المال الي فرض الجزية حتي علي من أسلم من المصريين, وعندما رفعت عنهم سنة127 هـ اعتنق أربعة وعشرون ألفا الدين الاسلامي, بسبب فداحة الجزية والأعباء الملقاة عليهم, ومن أمثلة ذلك ماذكره ابن إياس أن أحد ولاة العباسيين حجر علي الملح والأطرون, وكانا مباحين للناس, وقرر مالا علي الكلأ الذي ترعاه البهائم سماه المراعي, وقرر علي مصايد الأسماك مالا سماه المصايد. وأحدث من المظالم أشياء كثيرة, وقسم أموال مصر مابين خراجي( موسمي) وهلالي( شهري). وهذا أول تلاشي أحوال الديار المصرية, فلما جري ذلك رحل غالب أهلها من الظلم.
النهب والغصب
كان الوالي يدفع رشوة مقابل ولايته للخليفة العباسي أو للأتراك المسيطرين علي الحكم, فيأتي الي مصر ويبدأ في جمع كل مايمكن جمعه قبل أن يعزل, الي جانب هدايا يجمعها من الأهالي ويرسلها مع الخراج, يحددها ابن إياس بأنها خيول وبغال وجمال وثياب وطرز وعسل نحل بنهاوي, وغير ذلك من الأصناف التي لا توجد إلا بمصر. ويضيف ابن تغري بردي وسبب زوال خراج مصر أن الملوك لم تسمح لهم نفوسهم بما كان ينفق في حفر ترعها واتقان جسورها, وإزالة الحلفاء وغير ذلك.
فكان أن ثار القبط ثم العرب المستوطنون, يقول المقريزي: في سنة107 هـ انتفضت عامة الحوف الشرقي( وهم أقباط وعرب) فبعث إليهم أمير مصر بأهل الديوان( أي الجيش) فحاربوهم وقتلوا منهم بشرا كثيرا. وذلك أول انتفاض لقبط مصر.. ثم انتفض أهل الصعيد سنة121 هـ فبعث إليهم أهل الديوان فقتلوا من القبط ناسا كثيرا وظفر بهم.. ثم خالفت القبط برشيد فبعث إليهم أهل الديوان وهزمهم, وقبض عبد الملك بن موسي بن نصير أمير مصر علي البطرك ميخائيل, فاعتقله وألزمه بمال, فسار بأساقفته في أعمال مصر يسأل أهلها فوجدهم في شدائد, فعاد الي عبدالملك ودفع ما حصل عليه, فأفرج عنه.
فنزل به( البطرك) بعد ذلك بلاء كبير من مروان( الحمار) الذي بطش به وبالنصاري و أحرق مصر وغلاتها, وأسر عدة نساء من المترهبات ببعض الديارات, وراود واحدة منهن عن نفسها, فاحتالت عليه ودفعته عنها بأن رغبته في دهان معها إذا دهن به الانسان لايعمل فيه السلاح, وجعلته يجرب فيها, فتمت حيلتها عليه, وأخرجت زيتا دهنت به نفسها, ثم مدت عنقها( ليجرب) فضربها بسيفه فأطار رأسها فعلم انها اختارت الموت علي الزنا, وظل البطرك والنصاري في الحديد مع مروان الي أن قتل في بوحيد, فأفرج عنهم..
وفي سنة132 هـ خرج رجل من قبط سمنود بجيش, وقتل في كثير من أصحابه.. وخرج قبط رشيد سنة150 هـ وناحية سخا, ونابذوا العمال( موظفي الخراج) وطاردوهم وساروا في جمع الي شبرا سنباط, وانضم اليهم أهل اليشرود والأريسية والنجوم( أسماء قري) فانصرف( جيش الوالي) الي مصر منهزمين.. وكذلك سنة156 هـ خرج القبط ببلدة بلهيب فخرج عليهم العسكر وهزمهم.. واشتد البلاء علي النصاري.. وهدمت الكنائس المحدثة. فلما ولي موسي بن عيسي أذن لهم بإعادة بنائها بمشورة الليث بن سعد وعبدالله بن لهيعة قاضي مصر.
رغم كثرة الانتفاضات وتكرارها في عدة أماكن, واستمرارها حوالي القرن من الزمان, كان ينقصها علي مايبدو الشعور القومي, وكان دافعها الضرائب الباهظة وانحطاط معاملة الحكام, وكانت تنقصها القيادة الواعية, ولهذا قضي عليها جميعا, بل كان العسكر يجدون فيها فرصة للسلب وسبي النساء.
وعندما فرضت الضرائب علي القبائل العربية في مصر, ثم زادت, ثاروا هم أيضا وحدهم أو متحالفين مع القبط. ومن مثال ذلك ما حدث سنة167 هـ عندما قدم مصر الوالي الجديد موسي بن مصعب, وصادر أموال الوالي السابق له المعزول وأخذ منه ومن عماله ثلثمائة ألف دينار.. وسكن بمدينة العسكر.. وأخذ يتشدد علي الناس, وزاد علي كل فدان ضعف ما كان أولا, وساءت سيرته وارتشي في الأحكام, ثم رتب دراهم علي أهل الأسواق وعلي الدواب.. فثارت قبائل قبس واليمانية, ولا قوا أهل مدينة مصر واتفقوا عليه, فخرج اليهم في جميع الجيوش, فلما التقوا تخلي عنه أهل مدينة مصر, وأسلموه فقتل.
وفي سنة186 هـ كان الوالي منذ تعيينه يتوجه الي بغداد كل عدة شهور بالهدايا الي الخليفة وحاشيته, مغتصبا هذه الهدايا من الناس ودام علي ذلك حتي خرج عليه أهل الحوف الشرقي, فخرج اليهم في أربعة آلاف من الجند وهزمهم, فهربوا وتبع أقفيتهم فقتل منهم خلقا كثيرا, وبعث الي مدينة مصر بثمانين رأسا
مذبحة المأمون
قمة الغضب كانت سنة214 هـ عندما جاء وال جديد, فتحداه أهل قيس ويمن وحاربوه عند عين شمس, وهزموه فتراجع الي الفسطاط. ثم أمده الخليفة المأمون بجيش تحت قيادة المعتصم, وجاء ووضع السيف في المتمردين وقتل منهم عددا كبيرا, فما كان منهم إلا أن اتحدوا مع الأقباط وحشدوا وتجمعوا فكثر عددهم وساروا نحو الفسطاط. وخلعوا الطاعة, ودحروا أمير مصر فجاءه والي برقة لمساعدته, واستمرت الحروب لمدة سنة.. إلي أن جاء أمير المؤمنين الخليفة المأمون, فأوقعت عسكره بأهل الغربية والحوف
وحكم بقتل الرجال وسبي القبط وبيع النساء والأطفال, فبيعوا وسبي أكثرهم.. ومن ذاك أذل الله القبط في جميع أرض مصر
وأقام أمير المؤمنين الخليفة المأمون بمصر ستة وأربعين يوما.. ودخل عليه من هذه السرحة( الجولة) أربعة آلاف ألف ألف دينار( أربعة آلاف مليون) غير الهدايا والتحف, فرقها علي عساكره( الأتراك) لما رجع الي بغداد, لكل واحد منهم ملء كف دنانير ذهب
والمأمون هذا كان من المعتزلة, وهو سبب محنة خلق القرآن, عندما أمر سنة217 هـ أمير مصر بأن يمتحن المشايخ والقضاة في مسألة خلق القرآن وأجاب أغلب علماء الدنيا بخلق القرآن طبقا لرأي المأمون, عدا جماعة يسيرة, منهم الامام أحمد بن حنبل. وعظم البلاء بالعلماء وضربوا وأهينوا وردعوا بالسيف وغيره.. ونزعت لحية أحد القضاة المعترضين وطيف به في طرقات الفسطاط وهو يضرب بالسوط..
وبعد موت المأمون جاء المتوكل وكان تافها فأصدر عدة قرارات تافهة بقصد إذلال أهل الذمة فأمرهم بلبس الطيالسة العسلية وشد الزنانير وركوب السروج بالركب الخشب( أي الرخيصة) وعمل كرتين في مؤخر السرج!
وعمل رقعتين علي ثياب رجالهم تخالف لون الثوب, كل رقعة قدر أربعة أصابع. كذلك أمر أن يجعل علي أبواب دورهم شياطين من خشب, ونهي أن يستعان بهم في أعمال السلطان, ولا يعلمهم مسلم وبتسوية قبورهم بالأرض.. وهدم كنائسهم المحدثة, وأخذ العشر من منازلهم, فإن كان الموضع واسعا صير مسجدا. وإن كان لا يصلح صير فناء.
إزاء ما سبق وغيره, كان من العجيب أن يظل بعض أهل الذمة متمسكا بدينه. يعلق أحمد أمين في كتابه فجر الاسلام عن هذا الاضطهاد بأنه ربما كان نتيجة لسوء العلاقة بين المسلمين والروم وقتها.. ثم يقول: لكن مهما كان الأمر فهي حالة سيئة تدل علي ضيق العقل ومخالفته للنظر الواسع الحكيم الذي أمر به الإسلام, ونفذه خلفاء المسلمين الأولون, وعلي رأسهم عمر بن الخطاب في حكمة ورفق.
اللهجة العامية
تكلم المصريون العربية.. واخترعوا معها لهجة عامية فاللغة كائن حي, والكائن الحي من طبيعته النمو والتطور, ولذلك تطورت اللغة العربية نتيجة للثقافات المختلفة.
وعلي هذا, فإن أقدم لغة للمصريين تأكد وجودها عام3200 ق.م تقريبا وهي الهيروغليفية.. ثم الهيراطيقية حوالي2300 ق.م. وكانت تكتب بالمداد.. ثم الخط الديموطيقي الذي شاع حوالي عام700 ق.م ثم ظهرت اللغة القبطية كاشتقاق أخير, وكتبت بالأبجدية اليونانية بعد إضافة سبع علامات من الخط المصري القديم.. وأخيرا العربية.
والعربية إحدي اللغات السامية, وهذه التسمية ليست سوي اصطلاح. وفي مقدمة المعجم العربي الأساسي إصدار المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم نقرأ.
إننا لا نعرف لغة تدعي اللغة السامية, ولكن ثمة لغات متقاربة لابد أن تكون فرعت من لغة أصلية واحدة كانت لغة الساميين في عهد ما قبل التاريخ.. ومن اللغات المتقاربة: الفينيقية والكلدانية والأشورية والآرامية, وابنتها السريانية, والعبرانية والعربية المصرية.. فكانت هذه اللغات بمثابة لهجات لتلك اللغة القديمة الأم, السامية أو العربية الأولي.
نمت اللغة العربية خلال الزمن, بحكم الحاجات المستجدة.. وبطرق منها:
1 ــ الاشتقاق. كأن نقول أفلس: من الفلس, ابحر من البحر, هندس من الهندسة, وفهرس من الفهرسة.. وجريا علي هذا المنوال: أكسد: من الأكسدة. مجداف: علي وزن مفعال. مقود: علي وزن مفعل.
2 ــ المجاز: وهو لفظ يستعمل في غير ما وضع له, فاعتمد اللغويون كلمة السيارة: وهي في الأصل القافلة, الطيارة: والطيار في الاصل هو الفرس السريع
3 ــ النحت: هو انتزاع كلمة من كلمتين أو أكثر. قديما قيل البسملة: بسم الله. الحوقلة: لا حول ولا قوة إلا بالله.. وحديثا: برمائي. أفروآسيوي. لاسلكي.
4 ــ التعريب: أن يلفظ العرب كلمة أجنبية. والتعريب قديم. وفي الجاهلية أخذ العرب عن الفرس ألفاظا مثل: إبريق, سندس, ديباج, نرجس. ومن الهندية: فلفل, قرنفل, كافور, شطرنج.. ومن اليونانية: فردوس, قسطاس, ترياق.. ومن السريانية: كنيسة, المسيح, الكهنوت, الناقوس, البلاط.. ومن العبرية: التوراة, الشيطان, جهنم.. ومن الحبشة: النجاشي, المنبر, التابوت.. وفي صدر الاسلام اقتبس العرب ألفاظا كثيرة من الفارسية تعد بالمئات مثل: كوز, بلور, عنبر, سوسن.. ومن اليونانية: الفلسفة, السفسطة, الجغرافيا.. وهكذا
وقد أجاز مجمع اللغة العربية بالقاهرة التعريب مثل: الترام, السينما, الفيلم, الالكترون...( من مقدمة المعجم العربي الأساسي)
وفي كتاب الألفاظ الدخيلة في اللغة العربية يرصد مؤلفه طوبيا العنيسي أمثلة عديدة. يقول مثلا:
قال ابن الأثير إن الخمر من الخمار لأنها تخمد العقل أو تستره, قلت الخمر لفظة أرامية: حمرا من لونها الأحمر
وقال السيوطي: أبجد هوز حطي كلم: هم ملوك. قلت هي الحروف الهجائية التي اخترعها الفينيقيون في القرن الـ15 ق.م. وجمعت بهذه الكلمات تسهيلا لاستظهارها فقط( أي حفظها)
واللغة السريانية( في الشام) هي الأرامية التي وردت في التوراة, وهي ذاتها الكلدانية في العراق( بين النهرين).. وهي لغة واحدة مع اختلاف في طريقة النطق..
أصل كلمة برتقال: أن البرتغاليون نقلوا هذه الفاكهة من الصين إلي أوروبا سنة1547 فسمي باسمهم.
كلمة تبغ مشتقة من اسم جزيرة في المكسيك اسمها تاباجو حيث منشأه, فنقل إلي التركية تباكو, وعرب طباق
ذلك أن العلاقة بين اللغة والبيئة علاقة مؤثر ومتأثر... وهناك صلة قوية بين اللهجات العامية وبين لهجات القبائل العربية التي استوطنت في مكان ما وتفاعلها مع لسان السكان الأصليين.. مع ملاحظة أن العامية من خواصها سرعة التأقلم وقبولها للجديد من مشتقات الألفاظ.
فمثلا أهل الشرقية يقلبون اللام الي ميم, فيقولون إمبارح, وذلك حسب نطق قبيلة حمير الذين إذا أرادوا قول: طاب الهواء وصفا الجو, نطقوها: طاب أمهواء وصفا امجو.. ومن تميم من يقول الهدي: الهدأ, وعوام مصر ينطقون لا: لأ.. ومن لغة طيئ قطع اللفظ, فيقولون ياأبا الحك, ويقصدون ياأبا الحكم,وكذلك عوام مصر يقولون: النهار طل أي طلع, والنور ظه أي ظهر, وقد تنطق مخففة: زه فيقال زهزه النهار.
وعن كلمات مصرية قديمة مازالت مستعملة حتي الآن, بذاتها أو مع بعض التحريف, رصد د. سيد كريم مايلي:
أن دبلة الزواج اختراع مصر وكان يطلق عليها حلقة إيزيس المقدسة.
وأن الكلمات الأولي التي نلقنها للطفل مثل: امبو, تاتا, نونو. صغنن: جميعها متوارثة, كذلك كلمة برجالاتك( حلقة ذهب في وداناتك)
أيضا كلمات مثل: فاس, شادوف, شونة, جرن, زير, مشنة, سلة, بشكير, فوطة, بتاو, طوبة, كعكة, لكلكة, وغيرها..
وكلمة عيش بمعني الخبز قديمة, معناها: الخبز المقدس الذي يقدم للقرابين, ومازال المصري يقبل رغيف العيش..
نداء: وحوي ياوحوي الرمضاني, كانوا ينادون به استقبالا لكل هلال جديد.
ياليل ياعين: تعبير مصري صميم: ليل معناها الفرح, أي إفرحي ياعين.
شأشأ الفجر: أصلها فرعوني: شاهشا الفجر أي سطع وأضاء.
الدنيا صهد: أصلها فرعوني, صهد كلمة فرعونية معناها لهيب.
أيضا سي بمعني سيد, ست: سيدة, مرت: امرأة ـ فول مدمس: فور متمس ـ كروم: كرم ـ زيتون: زنتو ـ رمان: رمن ـ تين: تون ـ بلح: مهات ـ دره: درات ـ بصل: بصر ـ برسيم: برسم ـ كرات: كراهت ـ كمون: كمين ـ جرجير: جرجر ـ طماطم: طم طم ـ سمسم: سسم ـ ملوخية: ملوخي: مصرية100%.
كذلك معظم أسماء المدن والقري متوارثة منذ أيام الفراعنة, مثل:
القاهرة: كاهي رع( بمعني موطن المعبود رع)
حلوان: حل أون( أون العليا)
طنطا: طاننت( طريق المعبد) وكان الجبرتي يكتبها طندتا
أبوتيج: بوتيك( مخزن العطارة ـ لاحظ استخدام بوتيك الآن)
أسوان: سون( الأسواق ـ وكانت أسوان ملتقي القوافل التجارية)
سينا: سين ان( وادي القمر)
طور سينا: تور سين( جبل القمر)
حاشية
من أسماء الشهور القبطية شهر طوبة, وبالهيروغليفية: طوبيا أي الأعلي أو الأسمي, وكان يطلق علي معبود المطر, ومن اسمه اشتق اسم مدينة طيبة( راجع موسوعة تاريخ الحضارة الفرعونية ـ المجلد الأول ص577) حيث أن طوبيا اسم جد كاتب هذه السطور)
[/frame]
|
| التوقيع |
|
إرحل كزين العابدين وما نراه أضل منك
إرحل وحزبك في يديك
ارحل فمصر بشعبها وربوعها تدعو عليك
إرحل فإني ما ارى في الوطن فردا واحدا يهفو إليك
لا تنتظر طفلا يتيما بابتسامته البريئة أن يقبل وجنتيك
لا تنتظر اما تطاردها هموم الدهر تطلب ساعديك
لا تنتظر صفحا جميلا فالخراب مع الفساد يرفرفان بمقدميك |
|
|
|
|
08-08-2010, 03:20 AM
|
رقم المشاركة : [6]
|
|
إحصائية
العضو |
|
|
رد: تاريخ مصر وعظمتها.....الكاتب مجيد طوبيا
مساء الفل استاذي المهذب
أشتقت كثيرا لموضوعاتك القيمه التي تقدمها لنا
والتي تنبض جميعها بحبك لمصر تاريخا و وطننا
أرجو الا يكون فاتني الكثير في فترة غيابي و ساحاول متابعة كل ما تفضلت بتقديمه بأذن الله
يسلم أختيارك علي هذا الموضوع المليء بالتاريخ و المعلومات
لك مني كل الشكر ........ و تحياتي
|
|
|
|
|
|
08-08-2010, 03:27 AM
|
رقم المشاركة : [7]
|
|
إحصائية
العضو |
|
|
|
رد: تاريخ مصر وعظمتها.....الكاتب مجيد طوبيا
ساحة العالم5
قطــر النــــدي
بقلم: مجيد طوبيا
http://massai.ahram.org.eg/238/2010/...15491/219.aspx
04/08/2010
[frame="5 10"] تسمو الدول وتتطور بالعلم والمعلومات الصحيحة, ولما رأيت أن جهل معظم المصريين بتاريخهم سوف يؤدي إلي مفاهيم خاطئة, قد تتفاقم وتتحول إلي سلوك متطرف يعوق التقدم,
تفرغت أكثر من أربع سنوات لانجاز هذا الكتاب. لأن بعض المتصدين للكتابة إلي الناس أو المتحدثين اليهم ينطقون عن جهل أو سوء نية, ويخلطون بين العقائد الخالدة وبين الأشخاص الفانين, وهدفهم تأخر هذا الشعب العريق, ففي تأخره رواج لبضاعتهم الفاسدة!
والتاريخ ذاكرة الأمة. وكانت لمصر امبراطورية فرعونية قوية ثرية, ضعفت بفساد الحكام, وركونهم الي حياة الدعة والترف, حتي تكون الجيش المصري من المرتزقة الأجانب, الذين سيطروا علي البلاد بحكم السلاح, فتمزقت البلاد إلي دويلات, وكشف الأعداء سرها, أي عرفوا الطريق الي احتلالها, ووقعت مصر تحت استعمار طويل متعاقب لدول أقل منها حضارة, من الفرس واليونان والرومان والعرب والفاطميين والأكراد الأيوبيين, ثم المماليك فالأتراك العثمانيين وأخيرا الانجليز!
ومع استمرار المذلة والقمع, فقد المصريون إحساسهم بالعزة القومية والاستقلالية. قاوموا بعض الأحيان بإيجابية, ومعظم الأحايين بسلبية, من منطق أنهم باقون في بلادهم, أما الطغاة فإلي زوال!
هذا الكتاب بجزء يه خلاصة آلاف الصفحات, جميعها من المراجع الأمهات, وحصيلة عشرات من الدراسات الحديثة الممتازة لبعض دارسينا الذين رجعوا إلي مصادر ومخطوطات ليست تحت يدي. وقد انشأت هذا الكتاب من مقتطفات متتابعة من هذه المراجع النفيسة, ولم انتقل منها إلي كتابات المعاصرين إلا لإيضاح ما خفي فهمه علي مؤرخي العصور الوسطي ولم أتدخل أنا إلا في القليل لربط أحداث أو إزالة غموض.
وجميع معلومات هذا الكتاب مسندة إلي مصادرها الأصلية المذكورة في نهاية كل جزء. وقارئ مؤرخي العصور الوسطي يعاني من المغالاة والتعميم,كأن يقول أحدهم مثلا: ثم حاربهم وقضي عليهم جميعا, ويكون قصده أنه قتل الكثيرين منهم!.. ويعاني أيضا من اللغة المكتوبة بمفردات فصيحة وتركيبات عامية, وقد تركت بعضها للحفاظ علي مذاق روح العصر.
وبسبب كثرة الألفاظ البائدة والأعجمية, وغرابة الأسماء, مثل: طرنطاي, يلبغا, أشلون خوند, أقجماس, صرغتمش, طشتمر, وهو عينات سهلة, اقتصدت في ذكر الشخصيات الهامشية بما لا يخل بالحقيقة التاريخية.
كما يكابد قارئ هؤلاء المؤرخين العظماء من جنوحهم الي صياغة التاريخ بأسلوب اليوميات. فكان المؤرخ يبدأ الحادثة التاريخية المهمة, ثم يترك إلي أحداث أخري منها ما هو خطير ومنها ما هو تافه, ثم يعود إلي إكمال الحادثة التي بدأ بها, بعد عشرات الصفحات أو في المجلد التالي!
ومن أمثلة المراجع الأساسية: كتاب السلوك للمقريزي وهو أربعة أجزاء في اثني عشر مجلدا ضخما, وخطط المقريزي في جزءين كبيرين, والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي ومكون من ستة عشر جزءا تضمها عشرة مجلدات ضخمة, وبدائع الزهور لإبن إياس وهو خمسة أجزاء في ستة مجلدات, إلي جانب تاريخ الجبرتي ومراجع أخري عديدة.
ولا يقل أهمية عنهم العلماء الذين أفنوا حياتهم في تحقيق هذه المراجع وكتابة الهوامش الموضحة للأسماء والمهن والأزياء المنقرضة, حتي ان الهوامش تشغل نصف المساحة تقريبا, من هؤلاء الأساتذة الدكاترة: محمد مصطفي زيادة, محمد مصطفي, سعيد عبدالفتاح عاشور, سيدة اسماعيل كاشف, حسن حبشي, فهيم محمد شلتوت, ابراهيم علي طرخان, سعاد ماهر, جمال الدين الشيال, مصطفي السقا, حسن ابراهيم حسن, محمد كمال, السيد محمد, أحمد أمين, علي مبارك, فيليب حتي, عبداللطيف حمزة, حكيم أمين عبدالسيد, محمد قنديل البقلي, السيد محمد العزاوي وآخرون. إلي هؤلاء الأفاضل وكثيرين أدين بالفضل.
والتاريخ في هذا الكتاب للسلاطين والملوك, وقبل ذلك لحياة الناس وآثارهم المعمارية والأدبية والفنية وأزيائهم, وارتباطهم بالمنطقة المحيطة, ثم علاقتهم بأوروبا بعد أن تخلصت من المتاجرين بالدين, وجعلت المسيحية للحياة الروحية, وشئون الحياة العملية لأهل العلم والإدارة, فقفز الغرب من الانحطاط والتخلف إلي ما هو عليه الآن من سيادة علي العالم. فسادة الدنيا دائما هم سادة العلوم والابتكارات. والمبدع لا يبتكر إلا في مناخ من الحرية الكاملة واحترام الرأي الآخر ويقدس المبادرة الفردية واحترام الملكات الشخصية.
يجمل المقريزي سلسلة خلفاء العباسيين هكذا: قامت دولة بني العباس وفيها سقط اسم العرب من الديوان.. واستولت بني بويه الديلم ثم الاتراك, وصارت لهم دولة عظيمة( وبنو بويه من الفرس, وعلي أكتافهم قامت الخلافة العباسية, والديلم جنسية, وكذلك مكان جنوب بحر قزوين). وصار بكل قطر قائم( حاكم) يأخذ الناس بالعسف ويملكهم بالقهر. وكان أول من قام من خلفاء بني العباس: السفاح وكان سريعا إلي سفك الدماء, فاتبعه عماله في الشرق والغرب في فعله.. وولي بعده أخوه أبو جعفر المنصور, وهو أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم, وأول خليفة استعمل مواليه( عبيده أو أتباعه) الفرس وغلمانه في أعماله, وقدمهم علي العرب.. ونظر في العلم..
وقام بعده المهدي بالله, ثم ابنه الهادي بالله لمدة سنة وربع السنة وكان جبارا وهو أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المرهفة والأعمدة المشهرة( الرماح الطويلة) والقسي الموترة.
وقام بعده هارون الرشيد, فبني الثغور وحصن الحصون, وهو أول خليفة لعب الشطرنج والنشاب والكرة( لعبة مثل البولو) وكانت أيامه من حسنها كأنها أعراس.. ثم بويع بعده ابنه الأمين فقدم الخدم( الغلمان المرد الحسان) وشغف بهم, فاتخذت له أمه الجواري الغلاميات( أي جوار قصيرات الشعر في لبس الغلمان). ثم قتل وحل محله أخوه المأمون, وكان أولا ينظر في أحكام النجوم ويعمل بموجبها, ويكثر في كتب القدماء من الحكماء, فلما قدم بغداد أعرض عن ذلك, وقال بأقوال المعتزلة, فرغب الناس في العلوم الجدلية..
ثم قام بعده المعتصم بالله مدة ثماني سنوات وثمانية أشهر وثمانية أيام, ولهذا سمي بالثماني, وهو أول من أدخل الأتراك في الديوان, بعد أن فقد ثقته في الفرس والعرب, وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب, ويتشبه بالعجم في أحوالهم, وبعث إلي بلاد سمرقند وفرغانة لشراء الترك, ولأجلهم بني مدينة سر من رأي أو سامرا..
ثم جاء الواثق بالله, وكان كثير الأكل, وهو الذي نهي عن الجدل وعاقب عليه.. ومن بعده المتوكل بالله وقتله الأتراك, وتحكموا من حينئذ في ممالك الدنيا, وأقاموا بعده ابنه فمات بعد نصف سنة, وأقيم بعده المستعين بالله وخلعه الأتراك وعذبوه ثم قتلوه, وهو أول من أحدث لبس الكمام الواسعة.. وهو الذي جاء في زمنه أحمد بن طولون التركي واليا علي مصر, نائبا عنه أو عن الترك المتحكمين فيه.
الجواري والعبيد:
يقول أحمد أمين في الجزء الأول من كتابه فجر الإسلام: كثر الرقيق في العصر كثرة بالغة, وامتلأت القصور به, فكثر نسل الجواري واختلطت الدماء, حتي الخلفاء أنفسهم كانوا من نسل السراري.. ولم يتول الخلافة من بني العباس من أمة حرة إلا السفاح والمهدي والأمين..
وكثر تعليم الجواري الغناء, واتخذ أصحابهن لهن بيوتا معدة للسماع في الأحياء المختلفة.. كما كثر الخصاء في عهد الأمين, فقالوا انه بلغ من كلفه بالخصيان أنه طلبهم واتباعهم, وصيرهم لخلوته في ليله ونهاره, وقوام طعامه وشرابه..
ويحكي الجاحظ( في كتاب الحيوان) أن هذا الولع بالغلمان نشأ في الخراسانيين, إذ كانوا يخرجون في البعوث مع الغلمان, وذلك حين سن أبومسلم الخرساني ألا يخرج النساء مع الجند خلافا لبني أمية الذين كانوا يسمحون بخروج النساء مع العسكر..
وقد تفننوا في أسماء الغلمان بما يدل علي مقاصدهم, مثل نسيم, فاتن, رائق, ريحان, جميلة, بشري.. وظهر هذا في الشعر. ان أبا نواس يتغني في هذا الباب وحده أو مع فئة قليلة, فلما جاء القرن الرابع الهجري كان أكثر الشعراء يطرقون هذا الباب. حتي الوزير المهلبي لم يمنعه منصبه أن يقول في مملوك تركي جميل:
ظبي يرق الماء في وجناته ويروق عوده
ويكاد من شبه العذا ري فيه أن تبدو نهوده
واشتهرت سمرقند بأنها مركز مهم لتجارة الرقيق الأبيض.. وكان لمعز الدولة غلام تركي, أمرد رومي الوجه, منهمك في الشرب لا يعرف الصحو, ولفرط ميل معز الدولة إليه جعله رئيسا لحمله جردها لحرب بني حمدان!
زمن الترك:
تذكر د.سيدة اسماعيل كاشف: كان أول تمزق مع سقوط الدولة الأموية وهروب عبدالرحمن بن معاوية بن هشام إلي قرطبة حيث أصبح أميرها سنة138 هـ(756 م). وانفصلت اسبانيا ولم تفلح الدولة العباسية في إعادة الأندلس..
وفي نهاية القرن الثاني الهجري( الثامن الميلادي) لم يبق للعباسيين في المغرب العربي إلا إفريقية( تونس) وكانت سيادتهم عليها اسمية من سنة800 إلي909 ميلادية.. ثم ظهر في الأفق عنصر الترك
يقول الأستاذ أحمد أمين:
تولي المعتصم الخلافة سنة218 هـ. واستقدم سنة220 هـ قوما من بخاري وسمرقند وغيرهما من بلاد تركستان.. اشتراهم وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب, وأمعن في شرائهم حتي بلغت عدتهم ثمانية آلاف مملوك, وقيل ثمانية عشر ألفا, وهو الأشهر!
وسبب اتجاه المعتصم الي الأتراك يرجع الي:
أولا: من قبله كان أهم الجند هم الخراسانيون, وهم فرس من خراسان,كانوا عماد الدولة العباسية نحو قرن من الزمان, من عهد إنشائها إلي المعتصم, وكانوا حرس الخلفاء ومعهم جنود من العرب القاطنين بمصر واليمن وربيعة, لكن هؤلاء العرب كانوا أقل شأنا وحظوة وعددا من الفرس, وذلك بعد أن ضعفت ثقة الخلفاء بهم علي مر الأيام.. ثم بدأ المعتصم يفقد ثقته بالفرس, ذلك أن كثيرا منهم لما مات المأمون بايعوا ابنه العباس لأن أم المأمون فارسية مثلهم.. فاستعان المعتصم بالترك, ثم قبض علي العباس وسجنه ومنع عنه الماء حتي مات..
ثانيا: كانت أم المعتصم تركية واسمها ماردة, فكان هو نصف تركي, فاستكثر من الأتراك حتي ملأوا بغداد وضايقوا أهلها.. فبني لهم سامرا, وهكذا نشأت عاصمة جديدة..
ثم تولي المتوكل سنة232 هـ وكان قد مضي علي مجيء الأتراك اثنتا عشرة سنة تمكنوا فيها من الأرض وعرفوا الناس والبلاد, وصار إيتاخ التركي بيده معظم الأمور, وهو غلام تركي كان طباخا اشتراه المعتصم ورفعه... ثم جاء الواثق.. وكان كل من أراد المعتصم أو الواثق قتله قام إيتاخ بذلك, ومنهم أولاد المأمون!.. فلما ولي المتوكل كان إيتاخ في أعلي مرتبة, إليه الجيش والمغاربة والأتراك والموالي والبربر والحجابة ودار الخلافة( حسبما جاء في الطبري11).. أصبح الأتراك مصدر قلق واضطراب, فهم يكرهون الفرس والعرب, وهم أنفسهم ليسوا في وفاق بعضهم مع بعض... وعندما أراد المتوكل أن يتخلص منهم ضربوه بالسيوف وهو علي سرير الملك.. وشهد الشاعر البحتري قتله, وكان نديمه وجليسه, ووصف ذلك في قصيدة مشهورة..
كان قتل المتوكل أول حادثة اعتداء علي الخلفاء العباسيين.. ولم يكن قتله اعتداء عليه وحده وإنما هو قتل لسلطان كل خليفة بعده, فكان الخليفة بعده خاتما في اصبعهم أو أقل من ذلك!..
ثم جاء المنتصر ومات بعد خلافته بستة أشهر, واختار القواد الاتراك أحمد بن محمد المعتصم ولقبوه المستعين, وسرعان ماضايقوه, فهرب من سامرا الي بغداد.. ثم خلعوه وقتلوه.. ومن بعده ضيقوا علي المعتز وخلعوه وقتلوه.. ثم قتلوا المهتدي عندما حاول أن يواجههم, وصادروا أموال الاغنياء وأموال زوجة المتوكل وهي أم المعتز, فكثر اخفاء المال في سرداب أو حفرة أو بناء حوائط عليها! وولي المعتمد, وحجر عليه هذه المرة أخوه الموفق.. والموفق كان في أيامه بطلا.. ثم حكم ابنه المعتضد, وبعده بحوالي عشر سنوات جاء ابنه المكتفي, وكانت الفتن التي بدأت في عهد أسلافه استفحلت عظم أمرها من اسماعيلة وقرامطة وفاطمية.. فعادت الخلافة الي ضعفها, وعاد الاتراك الي قوتهم.. تاركا لهم زمام الدولة!
ولوا المقتدر فعكف علي لذائذه والنساء, وترك الأمور لمؤنس التركي, وبعد حكم فاسد دام نحو خمس وعشرين سنة قتله رجل من أصحاب مؤنس, ضاجعه فذبحه وسلب ثيابه حتي سراويله!
ثم جاء القاهر.. وسملوا عينيه, أي فقأوها بحديدة محماة وهي عادة منقولة من البيزنطيين, فصار يتسول أمام جامع المنصور.. وسملوا من بعده الخليفة المتقي واسمه ابراهيم..( وهكذا!!)
ويصف أحمد ابن طباع الترك:
حب الجندية والفروسية, الاستكثار من الجنود من جنسهم, كثرة الخلافات فيما بينهم, تعصب كل فريق لقائده, احتقارهم لأهل البلاد المحكومة بهم, انتصارهم لمذهب السنة, عدم ميلهم الي الفلسفة والجدل في الدين, جشعهم في نهب أموال الرعية مع اهمال اصلاح الري والارض والتجارة, انتهاز كل فرصة لمصادرة أموال الاثرياء.. ولم تكن لهم مدنية وحضارة قديمة مثل الفرس الذين كان منهم مثقفون مثل البرامكة وابن المقفع وغيرهم,
ثم أحذت طائفة من الاتراك يتعلمون اللغة العربية والدين مثل أحمد بن طولون.. لكن بعد أكثر من قرن نبغ منهم أبو النصر الفارابي الفيلسوف الاسلامي الكبير, وأستاذ كل فيلسوف اسلامي بعده, من مدينة فاراب التركية.. عني بفلسفة أرسطو.. تعلم في بغداد, ومات بدمشق سنة339 هـ
وعلي الجملة كان أكثر العنصر التركي في المملكة السلامية يمتاز بالجندية والخشونة مع ضعف الثقافة.
وصارت الاحداث تتصل بأسماء تركية مثل إشناسي, إيتاخ, بغا الكبير وبغا الصغير, وابن طولون.
وعندما كتب الخليفة المعتصم الي واليه علي مصر باسقاط العرب من الديوان( الجيش) وقطع رواتبهم, وانقرضت دولة العرب من مصر. ومنذ سنة242 هـ وحكام مصر أتراك, وقبل ذلك بنحو عشرين عاما كانت مصر تمنح في الغالب لحاكم تركي يظل في بغداد ويستخلف عنه أميرا يقيم في مصر أي( والي من الباطن) واستمرت سيادة الاتراك في مصر طول مدة الطولونيين الاتراك والاخشيديين الاتراك.
{ مقارع الجباة:
كان المملوك طولون تركيا أهداه أحد الولاة الي المأمون ضمن الهدايا والأموال والرقيق, فاعتقه المأمون وأهداه جاريه اسمها هشام, ولد منها ابنه أحمد, وقيل انه ابنه بالتبني. وعندما مات طولون أوكل الخليفة المتوكل إلي أحمد ماكان لأبيه من أعمال ومن جارية اسمها مياس رزق بابنه أبي الجيش خمارويه ثم تولي الثغور, ثم أرسله والي مصر التركي نائبا عنه في إمارة مصر, فلما قتل هذا التركي استبد أحمد بن طولون بولاية مصر.
فدخلها وهو ضيق الحال يحتقره كل من يراه. وكان متولي الخراج أحمد بن المدبر بين يديه مائة غلام لهم طول أجسام وبأس شديد, وبيدهم مقارع مفضضة( لزوم جمع الضرائب). إذا ركب ركبوا بين يديه فيصير له بهم هيبة عظيمة في صدور الناس, فأعجب بهم ابن طولون وأخذهم لنفسه هدية, ثم تخلص من ابن المدبر!
يقول ابن إياس عنه: وجاء ومصر تلاشي أمرها وانحط خراجها, فاهتم بعمارة جسورها وبناء قناطرها وحفر خلجانها, فاستقامت احوال الديار المصرية, ووقع العدل والرخاء في أيامه ووصل الخراج أربعة الاف وألف وثلاثمائة ألف دينار, غير المكوس( الضرائب التجارية). وقد جاء مفلسا, وخلف عند وفاته عشرة ملايين دينارومن المماليك االذين اشتراهم سبعة الاف مملوك, ومن العبيد الزنج أربعة وعشرين ألف عبد, ومن الخيول سبعة الاف فرس, ومن البغال ستة الاف, والجمال عشرة الاف, ومن الفصوص والجواهر مائة صندوق, ومن المراكب الحربية الف مركب, هذا خارج عن الضياع والاملاك وغير ذلك.
وقيل انه عثر علي كنز من آثار منطقة الاهرام فيه دنانير ذهب, كل دينار قدر الرغيف( لعلها رقائق أو سبائك).. ووجد أنسانا ميتا( مومياء) فأرسل جثة هذا الميت الي الخليفة ببغداد, ونقل المال الي خزائنه فاتسع حاله وعظم أمره.
{العاصمة الثالثة
وكان مدبرا في الحرب والادارة, شغوفا بدراسة اللغة العربية والعقائد الاسلامية التي كانت جديدة علي أبناء جلدته, وشعاره: من مد يده أعطه وعندما كثرت مماليكه سطا علي الخلافة وادعاها لنفسه أي استقل بحكم مصر والشام, مؤسسا الدولة الطولونية التي حكمت مصر من سنة254 ـ292 هـ(868 ـ905 م).
وبني مدينة القطائع شرقي الفسطاط لسكني عساكره,, هي الثالثة بعد الفسطاط والعسكر, والثلاث متجاورة. وقد حرث مقابر اليهود والنصاري وبناها مكانها, وسميت قطائع لأنها قسمت قطائع علي أتباعه, فكان للعساكر النوبيين قطيعة مفردة لهم تعرف بهم, وكذلك الترك, والفراشقين والغلمان والقواد. وعمرت القطائع عمارة حسنة, وتفرقت فيها السكك والأزقة, وعمرت فيها المساجد والطواعين والحمامات العمومية والأفران والحوانيت.
وأنشأ ميدانا كان يلعب فيه مع قواده لعبة الصوالج( البولو) تشبها بهارون الرشيد.. وكان الماء يصل الي القصر من عين أنشأها وعن طريق قناطر معلقة لاتزال آثارها باقية( وهي غير مجري العيون) ثم قرر بناء جامع يحكي المقريزي قصته:
فلما أراد بناء الجامع قدر له ثلاثمائة عمود, فقيل له ماتجدها, أو تنفذ الي الكنائس في الأرياف والضياع الخربة فتحمل منها.. فانكر ذلك.. وبلغ الخبر الي النصراني الذي كان قد أنشأ له العين, وكان غضب عليه ورماه في المطبق( السجن) فكتب اليه يقول: أنا أبنيه كما تحب بلا عمد إلا عمودي القبلة فأحضره وقد طال شعره حتي نزل علي وجهه, وقال له: ماذا تقول في بناء الجامع؟.. فقال أنا أسوره( أرسمه) للأمير, فأمر بأن تحضر له الجلود, فأحضرت وصوره له, فاعجبه وأفرج عنه وخلع عليه, وأعطاه مائة ألف دينار, وقال له: انفق وما احتجت اليه بعد ذلك أعطيناه لك. فوضع النصراني يده في البناء, في الموضع الذي هو فيه وهو جبل يشكر, فكان ينشر منه ويعمل الجير ويبني الي أن فرغ من جميعه وبيضه وعلق فيه القناديل بالسلاسل الحسان الطوال, وفرش فيه الحصير وحمل اليه صناديق المصاحف,
وأعطي ابن طولون الأمان للمهندس, وكافأه بعشرة الاف دينار وأجري عليه الرزق الواسع الي أن مات. ويؤكد لينبول أن هذا النصراني كان قبطيا مصريا, لأنه لو كان بيزنطيا لسماه المقريزي الرومي. ولعله اكتسب هذه المهارة الهندسية من بناء الكنائس..
كما روي المسعودي عن محادثات طويلة دارت بين عجوز قبطي صعيدي, كان ابن طولون يجلس معه ويتعلم أشياء عجيبة اكتسبها من خبرته.
وكان الناس كلما احتاجوا الي أعمدة سلبوها من الكنائس القديمة أو من المعابد الفرعونية واليونانية والرومانية, وفي جامع عمرو بن العاص الحالي عدد كبير من الأعمدة الكبيرة المختلفة التيجان( ولكل عصر تيجانه). وإن كان المسجد بعد إعادة بنائه يشبه من حيث التخطيط مسجد أحمد بن طولون.
{ أول مستشفي:
كذلك بني بجوار هذا الجامع مارستان( مستشفي) ولم يكن قبل ذلك بمصر مارستان, وجعل به خزانة, شراب وأدوية.
وهو في حروبه فشل في الاستيلاء علي مكة, لكنه انتصر علي امبراطور الروم قرب طرسوس( بسوريا) وغنم المجوهرات والأواني.. وحدث أن توغل شمالا لتأديب أحد نوابه, لكنه عاد الي انطاكية وكان قد شرب من لبن الجاموس وأكثر منه, وكان له طبيب اسمه سعد بن نوفيل نصراني, فقال له ماالرأي ؟ فقال لا تقرب الغذاء اليوم وغدا. وكان جائعا فأحضر خروفا وفراريج وأكل منها.. فقال الطبيب: إنا لله, ضعفت القوة الدافعة بقهر الغذاء لها. وعالجه فعاوده الاسهال.. وخرج من انطاكية علي محفة تحمله الرجال.. ثم ركب البحر الي مصر.
فسلسل في المرض نحو عشرة أشهر.. حتي مات سنة270 هـ.. وقد خلف من الأولاد ثلاثة وثلاثين. منهم سبعة عشر ذكرا, وباقي ذلك إناث.. وكان ملكا عادلا كفئا لملك مصر. أبطل في أيامه ماكان أحدث ابن المدبر من المكوس بمصر.. استقل بملك مصر من بلاد المغرب الي الفرات..
والناس يخيرونه علي خلفاء بغداد في عدله, غير أنه كان شديد الغضب سيئ الخلق, سفاكا للدماء, إذا قدر لم يعف, حتي قيل مات في حبسه ثمانية عشر ألف انسان.
{ بحيرة الزئبق:
وكان ابنه العباس قد تمرد عليه فحبسه..وعندما مات تولي مكانه ابنه: أبو الجيش خمارويه السامرائي المولد, المصري الدار والوفاة, فبايعه الجميع عدا شقيقه العباس فقتله. وسار علي سياسة أبيه في المحافظة علي الفتوحات, فظل له ملك مصر.. والشام والثغور. وأضاف الي حاضرته المباني الفخمة والحدائق..
وقد أنشأ بالقرب من جامع أبيه ميدانا, نقل إليه الأشجار من سائر البلاد, حتي من خراسان ومكة واليمن. فكان به سائر الفواكه والرياحين, حتي القرنفل والزعفران وغيرها من الزهور التي لم تزرع قط بمصر, وجعلها كالسطور, تقرأ بألفاظ مثل: نصر من الله وفتح قريب.. ثم إنه ألبس قوائم الأشجار الكبار بالنحاس الأصفر وطلي فوقه بالذهب, فكانت تخطف الأبصار إذا طلعت عليها الشمس.
وكان قد اشتكي لطبيبه من الأرق, فأشار عليه بالتكبيس( التدليك). فرفض قائلا: لا آخذ علي وضع يد أحد علي. فنصحه بعمل بركة من الزئبق, فأنشأها ببستان القصر,وأنفق في ذلك أمولا عظيمة, ثم عمل مرتبة من جلد الحيات أنعم من الحرير, منتفخة بالهواء, وكان يلقيها علي بركة الزئبق, وتثبت بحبال من حرير في حلقات فضية علي الأجناب, وينزل حمارويه فينام علي هذا الفرش, فلايزال يروح ويتحرك بحركة الزئبق مادام عليه حتي ينام. وكانت هذه البركة من أعظم الهمم الملوكية العالية!.
وأنشأ حديقة حيوانات خاصة عمل فيها بيوتا, كل بيت لسبع ولبؤته.. وعمل لها أبوابا تفتح من أعلي بحركات, ولكل بيت منها فتحة صغيرة يدخل منها الرجل الموكل بالخدمة لفرشه بالرمال. وبين هذه البيوت رحبة فسيحة فيها رمل مفروش. تخرج إليه السباع لتتمشي ويهارش بعضها البعض, فتقيم نهارا كاملا, وخمارويه وعساكره يتأمولونها, فإذا كان وقت العشاء يصيح عليها السواس فيدخل كل سبع بيته لا يتعداه الي غيره..
{ أسد ومحظية:
وكان من جملة هذه السباع سبع أزرق العينين يقال له زريق, قد أنس بخمارويه وصار مطلقا بالدار لا يؤذي أحدا. وفي عنقه طوق من ذهب, ولا يأكل علي عادة السباع, بل ينتظر سماط خمارويه, فإذا نصبت المائدة أقبل وربض, فيبقي خمارويه يرمي إليه بيده الدجاجة بعد الدجاجة, والقطعة الكبيرة من اللحم, ونحو ذلك مما علي المائدة. وكانت له لبؤة لم تأنس بالناس فكانت محبوسة.. وكان إذا نام خمارويه جاء زريق وقعد ليحرسه, لا يغفل عن ذلك لحظة واحدة, فلا يقدر أحد أن يدنو من خمارويه مادام نائما, حتي أراد الله إنفاذ قضائه في خمارويه, وكان بدمشق وزريق بمصر فقتل وهو نائم.. وقيل أيضا إنه قتل في الحمام بيد غلمانه!
وعمل كذلك لكل صنف من الدواب اصطبلات من جمال وفهود ونمور وفيلة وزرافات وطواويس وأنواع عديدة من الطيور, وكان مصروف مطبخه في كل شهر ثلاثة وعشرين ألف دينار, سوي مصروف حريمه وجواريه.
وكان إذا ركب مشت أولا أصناف العسكر وطوائفها, يليهم السودان وعددهم ألف لهم درق( دروع) من حديد محكمة الصنع, وعليهم أقبية سود وعمائم سود. فيخالهم الناظر إليهم بحرا أسود يسير علي وجه الأرض ويصير لبريق درقهم وحلي سيوفهم والخوذ منظر بهيج للغاية. فإذا سار السودان قدم خمارويه, وقد صار بينه وبين الموكب نحو نصف غلوة سهم( مسافة رمية سهم) وخواصه تحف به.. وكان طويل القامة. ويركب فرسا تاما فيصير كالكوكب وكأنه قطعة جبل.. وإذا سار في موكب لا يسمع من أحد كلمة ولاسعلة ولا عطسة ولا نحنحة!
وكانت له محظية إسمها بوران, أسيرة لديه, بني لأجلها في بستان قصره مجلسا سماه دار الذهب, طلي حيطانه كلها بالذهب واللازورد وجعل في حيطانه صورا بارزة من خشب معمول علي صورته وصور حظاياه والمغنيات في احسن تطوير وأبهي تزويق, وجعل علي رءوسها الأكاليل من الذهب والجواهر المرصعة.. ولوفت أجسامها بأوان تشبه الثياب.. وجاء من بغداد البحتري أكبر شعراء العصر فمدحه كما مدح أباه من قبل.. ومازال أمره في تزايد حتي ماتت محظيته بوران فكدر موتها عيشه, وانكسر انكسارا بان عليه.
{ زفاف أسماء:
وفي أثناء انفراد بني طولون بمصر والشام وحتي حدود الفرات, كان الحلفاء العباسيون تحت سيطرة مماليكهم الأتراك, يعينون ويخلعون ويقتلون, ولم يكن يعجبهم انسلاخ أغني ولايتين في الخلافة, مصر والشام, فلم تتوقف محاولات استردادهما من الطولانيين..
فلما تولي خمارويه جنح الي المسالمة مع أتراك سامرا, وعقد الصلح مع بلاط بغداد.. ولما تولي الخليفة المعتضد بالله سنة279 هـ(892 م) انتهز خمارويه الفرصة وبعث إليه أموالا وهدايا ثمينة, وعرض تزويج ابنته قطر الندي من ابن الخليفة ولي العهد, فقال المعتضد: بل أنا أتزوجها!
وتزوجها سنة281 هـ وأمهرها ألف ألف درهم ومائة ألف شقة حرير ملون. فلما تصاهرا زالت الوحشة بينهما.
وقطر الندي اسمها اسماء, يقال انها كانت رائعة الجمال في الرابعة عشرة من عمرها. وكان والدها يعبدها حبا, ويحيطها باروع ما يتصوره الخيال من ضروب النعمة والعز والشرف. وانفق علي جهازها اربعمائة الف دينار, أو ما يعادل دخل دولة باسرها وقتها. فكان في الجهاز دكة اربع قطع من الذهب عليها قبة من ذهب مشبك, في كل عين من التشبيك قرط معلق فيه حبة من جوهر ومائة هون ذهب. وألف سروال حرير, في تكة كل سروال جوهرة قدر بيضة حمامة. ونفائس وأوان وحتي قيل ان جهازها نقل من مصر الي بغداد في ستة اشهر.
وعندما خرجت قطر الندي الي عرسها( أواخر سنة821 هـ ـ894 م) خرجت من مدينة مصر وهي في موكب عظيم, وودعتها عمتها العباسة حتي حدود الشرقية, ونزلت هناك وضربت خيامها وبنت قرية سميت العباسة باسمها مازالت موجودة( شمال شرق بلبيس, سميت باسم عباسة بنت احمد بن طولون, وكانت شيدت فيها قصرا نزلت فيه قطر الندي, وكانت يسمي اولا قصر عباسة).
وكان خمارويه قد امر فبني لها علي رأس كل منزلة تنزل فيها قصرا( استراحة) فيما بين مصر وبغداد, وكانوا يسيرون بها سير الطفل في المهد.
وكانت اذا وافت منزلة وجدت قصرا مفروشا فيه جميع ما تحتاج اليه وقد علقت فيه الستور واعد فيه كل ما يصلح لمثلها, فكانت في مسيرها من مصر الي الشام ـ علي بعد المسافة, كأنها في قصر ابيها. ولما دخل بها الخليفة المعتضد احبها حبا شديدا لجمال صورتها وكثرة ادبها, قيل انه خلا بها في احد الايام فوضع رأسه علي ركبتها ونام, وكان كثير التحرز علي نفسه( بسبب تكرار قتل المماليك الاتراك لاسيادهم). فلما نام تلطفت به وانزلت رأسه من علي ركبتها الي الوسادة, ثم تنحت عن مكانها وجلست بالقرب منه, فانتبه فزعا وصاح بها فكلمته في الحال. فعاتبها وقال: اسلمت نفسي لك فتركتني وحيدا وأنا في النوم لا ادري ماذا يفعل بي. فقالت: ياأمير المؤمنين, ما جهلت قدر ما أنعمت به علي, ولكن فيما ادبني به والدي خمارويه ألا اجلس مع النيام ولا أنام مع الجلوس.
حمام الموت:
وكان خمارويه بعد تزويجها قد خرج الي دمشق بعساكره, واقام بها الي ان قتل.. اذا كان كثير الفساد بالخدم. دخل الحمام مع جماعة منهم, وطلب من احدهم الفاحشة فامتنع حياء من الخدم, فأمر ان يضرب حتي مات, فأبغضه الخدم.
وكان قد بني قصرا يشرب فيه الخمر بسفح قاسيون( جبل يشرف علي دمشق) اسفل من دير مروان, فدخل تلك الليلة الحمام, فذبحه خدمه, وقيل ذبحوه علي الفراش وهربوا.
كانت مؤامرة خدم وشذوذ انتهت بذبح اكثر من عشرين ألفا منهم. ثم احضرت جثته الي مصر حيث دفنت الي جوار جثة ابيه تحت سفح المقطم. وبعده بحوالي خمسة اعوام ماتت الجميلة قطر الندي وعمرها حوالي اثنتين وعشرين سنة فقط, وكانت ضحية زواج سياسي تافه, ودفنت داخل قصر الرصافة ببغداد, وهي بعد زهرة تتفتح. وبعدها بعامين لحق بها زوجها الخليفة امير المؤمنين.
ثم كان مصرع الدولة الطولونية ذاتها بعد اقل من ثلاث سنوات سنة289 هـ عندما دخل القائد العباسي بجيوشه الاتراك مدينة القطائع وقتل جنود الطولونيين من السودان, وخرب مبانيها الجميلة, وعاث جنوده فيها فسادا اربعة شهور, افتضوا فيها البكاري واستباحوا النساء وهتكوا الرعية, وذبحوا الطولونيين كما تذبح الشاة.. وقوضت المنازل.. وتهدم ميدان احمد بن طولون وبيعت انقاضه حتي دثر وزال كأنه لم يكن.
[/frame]
|
| التوقيع |
|
إرحل كزين العابدين وما نراه أضل منك
إرحل وحزبك في يديك
ارحل فمصر بشعبها وربوعها تدعو عليك
إرحل فإني ما ارى في الوطن فردا واحدا يهفو إليك
لا تنتظر طفلا يتيما بابتسامته البريئة أن يقبل وجنتيك
لا تنتظر اما تطاردها هموم الدهر تطلب ساعديك
لا تنتظر صفحا جميلا فالخراب مع الفساد يرفرفان بمقدميك |
|
|
|
|
08-08-2010, 03:39 AM
|
رقم المشاركة : [8]
|
|
إحصائية
العضو |
|
|
|
رد: تاريخ مصر وعظمتها.....الكاتب مجيد طوبيا
يا أمة ضحكت..
http://massai.ahram.org.eg/239/2010/...15552/219.aspx
بقلم: مجيد طوبيا
05/08/2010
[frame="6 90"]. عادت مدينة العسكر مرة أخري مقرا للولاية, كما كانت في عهد ولاة العباسيين قبل طولون.. وسرعان ما نسي اسم العسكر ثم اسم الفسطاط, وأصبحت العاصمة تسمي: مصر أو مدينة مصر.. وحتي يومنا فإن أهل الأقاليم يطلقون علي القاهرة اسم مصر.
مرت بمصر ثلاثون عاما وقعت فيها فريسة لوحشية عساكر العباسيين, كان القواد يفعلون ما يحلو لهم, وكان حكمهم في أهل مصر حسبما ذكر ابن تغري بردي: ضرب الأعناق, قطع الأيدي والأرجل جورا, تمزيق الظهور بالسياط, والصلب علي جذوع النخيل, ونحو ذلك من أصناف النكال!
وكأن هذا الهول لم يكن كافيا, فوقع زلزال مروع أتي علي كثير من المنازل والقري, مع سقوط وابل من الشهب أرعبت الناس!
إلي ان تولي محمد بن طغج فطمع ان تكون مصر له كما فعل طولون من قبله, وهو تركي مثله, ويزعم أن نسبه ينتهي الي ملك فرغانة.
وقد اتصل بابن طولون وخدمه وخدم ابنه خمارويه بمصر, فانتفع بتجاربهما واقتدي بهما, وكان شديد التشبه بابن طولون.
وكان أول وصوله الي مصر في صيف935 م حيث شهد سكان مصر موكبا من سفنه الحربية وهي تتقدم في النيل من دمياط قادمة من البحر المتوسط, وتحتل جزيرة الروضة التي كان يصلها بمدينة نصر العاصمة كوبري عائم مثبت فوق عدة مراكب, وفي أغسطس دخلت عساكره قلب العاصمة, وأخذوا ـ كالعادة ـ في السلب والنهب والاغتصاب مدة يومين, استباحوا فيهما المدينة حتي صدر الأمر بالعدول عن ذلك!
ثم أخذ الحاكم الجديد ينشر النظام, ونشره, فاستعاد جامع عمرو بن العاص مكانته السابقة, وأخذ الأدب في الازدهار, وبدأت التاريخ يدون بصورة واضحة لظهور مؤرخين معاصرين علي درجة عالية من الهمة.
في البداية عمل محمد بن طغج علي كسب مودة الخليفة العباسي الراضي بالله وأهدي اليه كثيرا وإلي رجال بلاطه, فمنحه لقب اخشيد, وهو حسب زعمه لقب ابائه في مملكتهم, فكل من تولي الحكم بمدينة فرغانة لقب بالإخشيدي, ومعناه ملك الملوك, وبالفارسية تعني الذكي اللبيب, فكان أول من تولي منهم بمصر, ثم أخذها باليد, أي بجهوده الشخصية, لأن تكليف الخليفة لأي شخص بالولايات لم يكن وقتها كافيا لتثبيت الوالي, فكان علي الوالي ان يفرض نفسه فرضا!
عيد الغطاس
وكانت دولة الفاطميين قد اشتد عودها بالمغرب العربي, وقوي أمرها, وصارت تترصد الفرصة لالتهام اعدائها العباسيين وامبراطوريتهم المحتضرة.
فحاول ملك الملوك أو الإخشيد ان يوطد علاقته مع الخليفة الفاطمي, فأرسل اليه يعرض زواج ابنته من ولي عهده المنصور, ووافق الخليفة الفاطمي علي هذا الزواج السياسي, ورأي فيه فرصة للتغلغل في مصر, وأرسل صداقا مقداره مائة ألف دينار, فاستقله الاخشيد وفشل المشروع, ويبدو انه طمع في مهر يعادل مهر قطر الندي ابنة سيده السابق خمارويه!
وتوترت العلاقة بينهما, وصدت عساكر الاخشيد أكثر من محاولة فاطمية لاحتلال مصر من الغرب في الاسكندرية وفي الصعيد.
وفي أيامه زار المسعودي مصر سنة942 م. ووصف احتفال عيد الغطاس قائلا: ليلة الغطاس بمصر لها شأن عظيم عند أهلها, لاينام الناس فيها, ولقد حضرتها سنة330 هـ والاخشيد قد أمر فأسرج( أضاء الأنوار) من جانب الجزيرة وجانب الفسطاط ألف مشعل, غير ما أسرج أهل مصر من المشاعل والشموع, وقد حضر في تلك الليلة الاف من المسلمين والنصاري, منهم في الزوارق ومنهم في الدور النائية للنيل, ومنهم علي الشطوط, وهم يظهرون كل ما يمكن اظهاره من المآكل والمشارب والالات والذهب والفضة والجواهر والملاهي والعزف, وهي أحسن ليلة تكون بمصر وأشملها سرورا, ولا تغلق فيها الدروب) بوابات الحواري(, ويغطس أكثرهم في النيل, ويدعون انه أمان من المرض(1)
وكان رجال الاخشيد يطلبون منه السماح لهم بالتنقيب في المعابد القديمة, علهم يعثرون علي كنز أو مطلب كما كانوا يسمونه, وكان معظمهم لايجد سوي العظام والأتربة, لأن الظاهر منها كان قد سبق نهبه!
ولم يترك الاخشيد أي أثر فني في مصر وكان حذرا فقنع أن يمتد نفوذه حتي دمشق فقط بدلا من الفرات, وكان أزرق العينين عظيم البطن, منحسر الشعر في مقدم الرأس, شديد البطش, مصابا بمرض الصرع, وسطا بين الجبن والشجاعة, شرها في جمع المال ومصادرة أموال الأثرياء, مكروها من الرعية, حريصا علي التشبه بابن طولون في بلاطه وموكبه.
وقد ذكر مؤرخ عصره ابن زولاق, أنه ترك بعد موته عدة ملايين من الدنانير الذهبية, وجواهر قيمتها مائة ألف دينار, وثمانمائة رطل عنبر وكان مغرما به, ومن العبيد ثلاثة آلاف ما بين روم ومولدين وسود, وأشياء كثيرة نفيسة..
أدباء ومؤرخون
بعد موت الاخشيد سنة945 م حكم مصر كافور الحبشي المحب للهو, لمدة اثنتين وعشرين سنة, وفي عهده ازدهرت الآداب بوجه عام.
كان حكمه في بادئ الأمر بوصفه وصيا علي ولدي سيده, اللذين عاشا في لهو ومجون دون أن يعرفا شيئا عن أمور العالم, أما السنتان أو الثلاث سنوات الأخيرة من حياته فقد تولي إمارة مصر بصفة رسمية..
يقول المقريزي أن الإخشيد لما مات بدمشق ضبط كافور الأمور, وجهز استاذه وحمله الي بيت المقدس ودفنه.. ثم سار الي مصر فدخلها... وسرعان ما جاء الخبر بأن سيف الدولة علي بن حمدان أخذ دمشق وسار الي الرملة, فخرج كافور إليه بالعسكر, وظفر في القتال وغنم, وعاد الي مصر وقد عظم أمره.. فخاطبه القواد بالأستاذ.. وعزل وولي وأعطي وحرم.. ولما قدم عسكر من عند المعز لدين الله الفاطمي من المغرب الي الواحات جهز جيشا وأخرجهم وقتل منهم. ومن وقتها صارت الطبول تدق علي بابه خمس مرات في اليوم, وعددها مائة طبلة من نحاس.
وقد شيد مارستانا( مستشفي) مثل ابن طولون.
ويتعجب لينبول: الواقع اننا قلما نجد بين الشخصيات التاريخية أغرب من هذا العبد الأسود, بما كان له من بطن ضخمة وأرجل معوجة وشفاه غليظة مشقوقة, تلك الصفات التي سخر منها المتنبي.. رغم أن كافور الإخشيدي كان قد نال قسطا لا بأس به من الثقافة والمعرفة, شأنه شأن أغلب العبيد الأذكياء, وقد أحاط نفسه كل مساء بالشعراء والنقاد ليستمع الي مناقشاتهم والي سير الخلفاء والأولين. وقد ضمت أمسياته شخصيات مثل الكندي المؤرخ الذي يدين له المقريزي بالكثير مما كتب, ومثل البحتري عالم النحو الشهير.. وكان كافور يغدق عليهم, ويحب الموسيقي شأنه شأن جميع السودان
أما الكندي هذا فقد ولد بالفسطاط سنة283 هـ(897 م) بعد وفاة ابن عبد الحكم أول مؤرخي الفترة الاسلامية بحوالي ربع قرن, وحضر عصر الإخشيدية, وكان أول مؤرخ مصري ينتفع بخطط ابن عبد الحكم, وهو صاحب كتاب الولاة وكتاب القضاة الذي يعد من المراجع الأصلية في تاريخ مصر الاسلامية منذ الفتح العربي الي وفاة الإخشيد, وابنه عمر الكندي هو صاحب كتاب فضائل مصر كتبه بأمر كافور الإخشيدي..
وعرف هذا العصر مؤرخين آخرين مثل ابن زولاق, وسعيد بن البطريق, ثم المسبحي الذي سوف يعلو شأنه في الدولة الفاطمية, وله كتب في الشعر والنقد والتاريخ, ورسائل في الخمر واللهو وألوان الطعام وعلم التنجيم والشياطين والأحلام والأمثال ونظم الحكم..
ومن أدباء عصر الإخشيدية سيبويه المصري وهذا لقبه لأنه كان يحفظ النحو والأشعار والنوادر. وكانت في أخلاقه غرابة واختلال عقل, فصنفوه تحت وصف عقلاء المجانين, ذلك أنه كان متنسكا, يخاطب الناس في الطرقات مهاجما عيوبهم واستكانتهم, وكانوا يتقبلون منه ذلك ويسجلون ما يقول.
كان يري أن الموت أفضل للانسان الذي لا يتقدم ولا يتطور:
من لم يكن يومه الذي هو فيه أفضل من أمسه, ودون غده
فالموت خير له وأروح من حياة سوء تفت في عضده
وفي زمنه كانت الحمامات عمومية, لأن البيوت كانت خالية منها لانعدام أساليب الصرف الصحي. وحدث أن أخلي العسكر الحمام لأحد الأمراء, وجاء سيبويه ليدخل فمنعوه لأن الأمير يستحم, فصاح علي الملأ داعيا علي الأمير لا اتقي الله مغسوله, ولا وفاه من العذاب مهوله. فاتهموه واتهموا أمثاله بالمروق والإلحاد, فاشتكي من ذلك:
أما سبيل إطراح العلم فهو علي ذي اللب أعظم من ضرب علي الرأس
فإن سلكت سبيل العلم تطلبه بالبحث, أبت بتكفير من الناس
وقد نشطت هذه الحركة الثقافية في عهد كافور, الذي قال عنه الذهبي المؤرخ كافور الإخشيدي الحبشي الأستاذ السلطان أبو المسك, اشتراه الإخشيد بثمانية عشر دينارا, وكان أسود بصاصا
وكان يعي حقيقة أصله, فصار يتلقي الإهانة بالإحسان, وقد ذكروا أن واعظا قال يوما:
ـ أنظروا الي هوان الدنيا علي الله, أعطاها لضعيفين, ابن بويه في بغداد وهو أشل, وكافور عندنا وهو خصي!
فنقل العسس ذلك اليه, وظنوا انه يعاقب الواعظ, فإذا به يرسل اليه خلعة ومائة دينار. فما كان المجلس التالي وحضر كافور, حتي وقف الواعظ قائلا:
ـ ومن العجائب ان ما نجب من بني حام غير ثلاثة: لقمان الحكيم, وبلال مؤذن الرسول, وكافور الخصي!
وهكذا بالمال, وبعد ان اثبت جدارة في الحرب صار كافور ـ عظيم الحرمة, له جوار مغنيات, وله من غلمان الروم ما يتجاوز الوصف. زاد ملكه علي ملك مولاه الاخشيد.. وكان يهادي المعز لدين الله صاحب المغرب, ويظهر ميله اليه, وكذا يذعن بالطاعة لبني العباس, ويداري ويخدع هؤلاء وهؤلاء, حتي تم له الامر ـ
وكان الفاطميون يرسلون دعاتهم الي مصر من سقوط الدولة الطولونية.
وقد قدمت علي كافور دعاة المعز من بلاد المغرب يدعونه الي طاعته, فلاطفهم..وكان اكثر الاخشيدية والكافورية وسائر الاولياء والكتاب قد اخذت عليهم البيعة للمعز ـ
الليالي الملاح
وكان مسرفا في كرمه, يطهي في مطبخه في كل يوم مائة خروف ومائة جمل ومائتان وخمسون اوزة وخمسمائة دجاجة والف حمامة, عدا الحلوي, وخمسون دعاء من النبيذ. وكان عصير التفاح شرابه المفضل, لذلك كان قاضي اسيوط يرسل له خمسين الف تفاحة في كل موسم..
وكانت الورود تنثر فوق المائدة وتزينها, ويصنع الخبز علي شكل فطائر,ويؤتي بالاكل فوق اعمدة يحملها الرجال علي اكتافهم. وكان يستطيع ان يأكل خروفا بأكمله, فإذا اصابته التخمة احيانا تناول الخمر في اسراف, وكانت الكأس وقتئذ تسع لترا كاملا من الخمر..
وفي عصره كانوا يهتمون بملابسهم وبتعطير فيهم, ويرشون ماء الورد علي اجسامهم, ويطلقون بخور العنبر في الحجرات. وكانت الموسيقي من مستلزمات اللهو والمرح. وعادة ما تكون الجارية المغنية ممشوقة القد, يشبه وجهها البدر في تمامه وتغني بصوت ساحر علي اوتار العود..
وكانت معظم الولائم يحضرها احد الظرفاء المشهورين بسرعة البديهة, والقدرة علي استخدام الجناس لتوليد النكتة, وسعة الاطلاع علي الادب والمعرفة..
وكان كافور الي جانب محبته للهو قويا كالحصان. مجدا في عمله, يقضي وقتا كبيرا كبيرا في رعاية شئون الدولة, ورغم افراطه في الكرم فإنه عندما مات ترك كثيرا من الذهب والمجوهرات والعبيد والحيوانات. وكان لنشاط موظفيه وجنده الفضل في عظمة مملكته الممتدة الي حدود سوريا الشمالية, والتي شملت الحجاز, حتي سادها الامن طوال مدة امارته, علي الرغم من الزلازل المروعة التي انتابت البلاد, والحريق الهائل الذي دمر اكثر من الف وسبعمائة منزل في مصر سنة954 م.
أنجاس مناكيد:
لكن العجيب ان سبب شيوع صيته كان الشاعر ابو الطيب المتنبي الذي وصف بانه اشعر العرب, وكان ملازما لسيف الدولة بحلب. وقيل ان كافورا اغراه علي المجيء الي مصر, وقيل انه جاء طامعا لما بلغه نبأ عطاياه وجوائزه.. وامتدحه بقصائد حسان منها:
قواصيد كافور توارك غيره ومن قصد البحر استقل السواقيا
وقيل لما دخل المتنبي كان في كبكبة عظيمة من حاشيته ومماليكه وغلمانه, وكان يلبس عمامة خضراء, ويشد في وسطه منطقه وسيفا, ويلبس في رجله اخفافا حمراء من جلد, وكان ينسب الي بخل عظيم مع ما كان بيده من سعة المال ـ
ومنحه كافور فتوالت مدائحه:
اغالب فيك الشوق والشوق أغلب واعجب من ذا الهجر والوصل اعجب
واعتبره من جملة اهله:
اذا ترك الانسان اهلا وراءه ويمم كافورا فما يتغرب
ثم أخطأ المتنبي لجشعه, وتوجه الي الفيوم ومدح صاحب اقطاعها, ووصفه بأنه كالشمس وما للشمس امثال.
ولهذا السبب وغيره توترت العلاقة بينه وبين كافور. وظل بمصر بعد ذلك سنة لا يلقي فيها كافورا لكنه يركبه في خدمته خوفا منه!.. فلما اخذ في الرحيل بدأ هجوه الشهير:
لا تشتر العبد الا والعصا معك ان العبيد لانجاس مناكيد
من علم الاسود المخصي مكرمة اقومه البيض ام اهله الصيد
ام اذنه في يد النخاس دامية ام قدره وهو بالفلسين مردود
وزاله ان الفحول البيض عاجزة عن الجميل فكيف الخصية السود
والقصيدة تشينها عنصرية بغيضة لان المتنبي يهجو لون كافور... ثم تمادي في هجوه:
وتعجبني رجلاك في النعل انني رأيتك ذا نعل اذا كنت حافيا
ويصفه بانه لا يصلح الا مضحكة للباكيات:
ومثلك يؤتي به من بلاد بعيدة ليضحك ربات الحداد البواكيا
ثم هجاه والمصريين جميعا:
سادات كل الناس من نفوسهم وسادة المسلمين الاعبد القزم
اغاية الدين ان تحفوا شواربكمو يا امة ضحكت من جهلها الامم
وصور اوضاع الحكم في معان عديدة ثاقبة:
اكلما اغتال عبد السوء سيده او خانه فله في مصر تمهيد
صار الخصي امام الآبقين بها فالحر مستعبد والعبد معبود
نامت نواطير مصر عن ثعالبها فقد بشمن وما تفني العناقيد
ثم يقول ان اناسا ضلوا فعبدوا الاصنام,اما المصريون فقد فتنوا بزق رياح, اي بقربة منفوخة علي الفاضي مثل كافور!
اما عن الحياة بمدينة مصر, فقد كانت الاسواق عامرة بانواع الخضار والفاكهة, والفخار الفاخر والزجاج الاخضر والاواني النحاسية.. وكان السقاءون يحملون الماء بالقرب المصنوعة من جلد الجاموس.. وكان حجم الدور كبيرا جدا, لدرجة ان الدار الواحدة ـ الربع ـ تسع ثلاثمائة وخمسين شخصا. وبعض الشوارع المسقومة تضاء بالمصابيح دائما لان ضوء الشمس لم يكن يصل اليها.. هكذا كان حال العاصمة سنة978 م تقريبا..
ولان امثل كافور لا يتركون من يصلح للحكم بعد موتهم, فقد اضطرب امر الديار المصرية, ووقع بها الغلاء, وفشا الطاعون وحطت المجاعة, وتناحر عسكر الاخشيدية وعسكر الكافورية, فخرجت الرسائل من شيعة مصر الي المعز لدين الله الفاطمي بالمغرب تحثه بالاسراع الي مصر قبل وصول العباسيين, فأرسل جوهر الصقلي, فملكها من غير قتال!
بذلك دخلت مصر في منعطف سياسي ديني خطير, ولمئات السنين!
وكان الشعب المصري في ذلك العصر سلبيا خانعا مهمشا, فاقدا لحسه الوطني او القومي, وقد اعتاد علي مجيء حكامه من خارج البلاد.. ولم يكن امام هؤلاء الحكام رأي عام يحسبون له اي حساب!!
ذات يوم صاح سيبويه المصري في الناس حانقا:
يا اهل مصر: حيطان المقابر انفع منكم, يستند اليها ويستظل بها من الشمس. والبهائم خير منكم, تمتطي وتؤكل لحومها, وتحتذي!
اي تصنع من جلودها الاحذية!
[/frame]
|
| التوقيع |
|
إرحل كزين العابدين وما نراه أضل منك
إرحل وحزبك في يديك
ارحل فمصر بشعبها وربوعها تدعو عليك
إرحل فإني ما ارى في الوطن فردا واحدا يهفو إليك
لا تنتظر طفلا يتيما بابتسامته البريئة أن يقبل وجنتيك
لا تنتظر اما تطاردها هموم الدهر تطلب ساعديك
لا تنتظر صفحا جميلا فالخراب مع الفساد يرفرفان بمقدميك |
|
|
|
|
08-08-2010, 03:47 AM
|
رقم المشاركة : [9]
|
|
إحصائية
العضو |
|
|
|
رد: تاريخ مصر وعظمتها.....الكاتب مجيد طوبيا
سادة العالم
القصور الزاهرة 7 بقلم: مجيد طوبيا
06/08/2010
http://massai.ahram.org.eg/240/2010/...15615/219.aspx
[frame="7 90"] أورد المقريزي في أتعاظ الحنفا64 أن أم الأمراء زوجة أبو تميم معد بن المنصور ولقبه المعز لدين الله الفاطمي وجهت من المغرب مع شيخ صبية ربتها, لتباع في مصر, بقصد جمع معلومات عن أحوال البلاد. فجاءت امرأة شابة علي حمار واشترت الجارية يستمائة دينار, فقيل للشيخ:
يامغربي, بنت الإخشيد اشترت الجارية لتتمتع بها, وهي بنت كافور فلما عاد أخبر المعز بذلك, فأمر باحضار الشيوخ, وقال: ياإخوان انهضوا إليهم,, إذا كان القوم قد بلغ بهم الترف إلي أن صارت امرأة من بنات: ملوكهم تخرج وتشتري جارية تتمتع بها, فقد ضعفت نفوس رجالهم, وذهبت العزة بينهم, فانهضوا إليهم.
* حملة جوهر:
ثم عمل المعز علي إقرار الأمور في بلاد المغرب, وقضي علي ثورة أمراء المغاربة ضده, وأقام الطرق بين تونس ومصر وحفر الآبار, وأنشأ الاستراحات علي طول الطريق, وجهز جيوشا من مائة ألف منظمة تنظيما دقيقا, زودها بالأموال الضخمة والعتاد والمؤن, وأنفق عليها أربعة وعشرين مليون دينار, عدا ماحمله ألف جمل من الذهب الذي رصده للإنفاق علي هذه الحملة, وأمر بأن تكون ظاهرة فوق الجمال..
ووضع علي قيادتها جوهر الصقلي, وأضفي عليه هالة من الاحترام, حتي لقد أمر أولاده وإخواته وولي عهده وكبار رجال دولته بالترحل بين يدي جوهر.
وأن يمشوا في خدمته وهو راكبا. وكتب الي سائر عماله يأمرهم إذا قدم جوهر عليهم أن يترجلوا مشاة في خدمته
كان جوهر في الأصل عبدا للمعز, وهو روماني النشأة, وارتفع شأنه عند المعز حتي صار كبير قواده. وقيل أنه كان خصيا, وقيل أنه كان فحلا بدليل وجود ولد له. وكانت وجهته الاسكندرية, فلم يجد فيها مقاومة تذكر, ودخلها وقال في منشوره أنه أتي لينقذ المصريين من ظلم العباسيين( وفيما بعد سوف يقلده نابليون ويزعم أنه جاء لينقذ المصريين من عسف المماليك!).
وفي كتابهما المعز لدين الله الفاطمي ذكر الدكتوران حسن ابراهيم حسن وطه أحمد شرف أن الصقلي لبي مطالب المصريين: بأن يؤمنهم جميعا جنودا ومدنيين, مسلمين ومسيحيين, علي أنفسهم وأموالهم وبلادهم, وتعهد بأنه سوف ينشر العدل والأمان: وذكر أن مولاه المعز ندبه لإنقاذهم من حكم العباسيين, وأن يدرا عنهم الأخطار الخارجية من ناحية القرامطة الذين غزوا بلاد الشام ومنعوا الحجاج عن أداء فريضةالحج( والقرامطة شيعة أيضا, لكن كان بينهم وبين الفاطميين تنافس)..
وتعهد بأن يصد الروم الذين غزوا شمالي بلاد الشام وشمالي العراق, لأن المعز أرسله لنجدة العالم الإسلامي عامة. ثم حاول إبعاد فكرة الغلو عن الإسماعيلية( الفاطميين) لأن الإسلام سنة واحدة. وأنه سيمنع تزييف العملة. ثم خاطب المصريين قائلا: ولكن بشرط أن يحافظوا علي الطاعة, ولا تخذلوا وليا لمولانا وسيدنا أمير المؤمنين المعز صلوات الله عليه.. وكان ذلك في شعبان سنة358 هـ
* إبن ميمون:
بعد مناوشات هزيلة من الإخشيديين عبر جوهر النيل بالقوة. وأخذت نساء العاصمة يطالبن بالرحمة فأعقب التسليم عفوا شاملا, وأمر جوهر بالكف عن السلب والنهب. وعلي الفور حذف اسم الخليفة العباسي من صلوات الجمعة, وحرم لبس ملابس العباسيين السوداء, وأصبح الواعظ يرتدي ملابس ناصعة البياض.
وصار الدعاء: اللهم صلي علي محمد المصطفي, وعلي علي المرتضي, وعلي فاطمة البتول, وعلي الحسن والحسين سبطي الرسول, الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وصلي علي الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين المعز لدين الله الفاطمي وصار المؤذنون يجهرون: بحي علي خير العمل, فشق ذلك علي الناس!
وأنشد محمد بن هانئ الأندلسي شاعر المغرب قصيدة مطولة مدح فيها المعز, وحط علي الخلفاء العباسيين, فكان مطلعها:
تقول بني العباس هل أخذت مصر لبني العباس قد قضي الأمر! والمعز لدين الله ينتسب إلي الرسول عن طريق ابنته فاطمة الزهراء وإلي علي بن أبي طالب, ابن عم الرسول وزوج ابنته فاطمة. فهو فاطمي لأنه من سلالة فاطمة, وعلوي لأنه من سلالة علي
ومذهب الشيعة يرجع ظهوره الي الانشقاق القديم حول من يرث الخلافة, وكيف تكون: بالانتخاب العام أم بالحق الإلهي؟!
فقد قال أصحاب المذهب القديم أي السنة: إن انتخاب أول ثلاثة من الخلفاء الراشدين, وهم أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان, كان شوريا, في حين قال أصحاب مذهب الشيعة: إن أصحاب الحق الإلهي في وراثة الخلافة هم أفراد عائلة الرسول, وعلي ذلك يكون من لهم الحق في الخلافة هم علي ومن بعده أولاده.. وهكذا أصبح علي بن أبي طالب بدوره رابع الخلفاء, غير أنه لقي معارضة وقتل, وهنا أقصي أولاده أحفاد النبي عن الخلافة, وحينما حاول أحدهم وهو الحسين أن يطالب بحقه فيها هزم وقتل..
ومنذ ذلك الوقت ومأساة الاستشهاد في كربلاء بدأت تثير مشاعر الشيعة في المحرم من كل عام. وكان اضطهاد الخلفاء الأمويين لآل محمد داعيا الي عطف الناس عليهم.
ثم حدث تطورا أدخله طبيب عيون فارسي كان يشتغل بالسحر والشعوذة وهو عبدالله بن ميمون, عندما قال: إن الله كان علي الدوام مجسدا في الزعماء الروحانيين أو الأئمة, أمثال آدم وإبراهيم حتي علي. ولم يكن العالم في يوم من الأيام بدون إمام, وليس من الضروري ان يكون هذا الإمام ممن تراه العين, وهذا هو ببيت القصيد, وعلي ذلك حدث أن انقطعت سلسلة الخلافة من بعد علي بن أبي طالب, غير أنه بالرغم من ذلك كان يوجد دائما إمام مختف يتحين الفرصة للكشف عن نفسه أمام العالم. وحينما يظهر هذا الإمام إذا بالناس يجدونه المهدي, فيصرفون نظرهم عن الخلفاء الذين اغتصبوا السلطة( أي بنو أمية ثم العباس). وأثناء هذه المدة يكون علي أولئك الذين ينتظرونه أن يعدوا عدتهم من الرجال ويعملوا علي دعوة الناس الي الحق.
* جمعيات سرية:
وهكذا كانت الدعاية سائرة علي قدم وساق, وكانت هناك جمعيات سرية تعمل في الخفاء في العالم الإسلامي, لقيت نجاحا علي الأخص في بلاد العرب والموصل وشمال أفريقيا, وكان دعاة الشيعة يختارون بعنايه ويدربون علي تعليم المبادئ حتي يهتدي الناس, فبالنسبة للعامة كانوا يلقنونهم ما يبدو في ظاهره دروسا مستفادة من القرآن, ولو أنها كانت ممزوجة علي الدوام بالإشارة إلي قرب وصول المهدي, تلك الشخصية الرائعة الغامضة, وأما بالنسبة للمثقفين فكانوا يلجأون معهم إلي المناقشات التي تتناسب مع أفقهم الواسع.. وكانت أهدافهم سياسية محضة
والأئمة هم: علي ثم ولداه الحسن فالحسين, وعلي زين العابدين, ومحمد الباقر, وجعفر الصادق. وهنا يحدث انقسام للشيعة الي الإثني عشرية, والإسماعيلية نسبة الي الإمام السابع محمد بن إسماعيل, ويلقب بالمستور أو المكتوم, وبه يبدأ أئمة الدور الثاني الذين لم يكونوا معروفين للناس كافة, بل كانوا يعملون في استتار..
وهؤلاء يلتف حولهم مستجيبوهم الذين يغرقون في حبهم ويغمرونهم بكثير من أموالهم, وبذلك استطاع هؤلاء الائمة أن يكونوا مجتمعات إسماعيلية بحته في شتي أنحاء العالم الإسلامي. وكانت هذه المجتمعات تموج بالذين يخلصون للأئمة المستورين دون أن يعرفوا أشخاصهم. وسبب الستر والتخفي ألا ينالهم ما نال آباءهم وأجدادهم من سجن وقتل.
وقد ساد القرامطة ـ وهم شيعة ــ بلاد العرب والموصل وسوريا, بينما وجد شيعة الفاطميين في بلاد البرابرة( المغرب العربي) أرضا خصبة لنشر مبادئهم بينهم, حتي تمكنوا عام910 م من الاستيلاء علي الحكم وإقامة خلافة شيعية هناك علي يد عبيد الله المهدي في القيروان عاصمة البلاد التي تسمي الآن تونس, ثم استولت اساطيلهم علي أملاك أسرة الأغالبة في تونس, وهي الاسرة التي كانت تعتبر قوة بحرية عظمي في البحر المتوسط وكانت تحتل صقلية وسردينيا وكورسيكا ومالطة, وهاجمت سواحل فرنسا وإيطاليا, وسلبت ونهبت وأحرقت, وكان المعز هو الخليفة الرابع, وصاحب الفضل في فتح مصر..
وكان رجلا قادرا نزيها ذكيا وسياسيا بارعا, وخطيبا مفوها باللغات اليوناية والعربية والبربرية والإيطالية, ثم تعلم لغة السودان بسبب وجود العديد منهم في جيشة.
* قرامطة وإسماعيلية:
يقول محمد عبدالله عنان: استطاع عمر بن الخطاب أن ينظم فتح فارس والشام ومصر.. ثم جاء عثمان فمهد بضعفه وإثرته وانحراف سياسته إلي إذكاء الخلاف والخصومة. وجاء علي من بعده فانفجرت الثورة السياسية وثورة العصبية. وظهر الخوارج بمبادئهم المثالية من وراء الثورة السياسية. ووقف معاوية بن أبي سفيان يمثل أطماع الزعامة والرياسة والعصبية, وخسر علي المعركة لأنه كان أقل دهاء وأكثر شهامة وفروسية من خصومه, ثم انتهي الأمر بمصرعه, واستتب الأمر لمعاوية, وخلصت الخلافة لبني أمية بعد تنازل الحسن بن علي.. وقد شاءت العناية الإلهية أن تكون الدولة الأموية هي منشئة الإمبراطورية الإسلامية الكبري, من الهند شرقا حتي المحيط الأطلنطي غربا, وشبه جزيرة إسبانيا. وكان مرجع الفضل إلي عبقرية عدة كبيرة من رجال الدولة الأموية..
كان الأمر منذ البداية يتلخص في معركة السلطان والرياسة, وكان علي وبنوه يعتقدون أن أرومتهم الطاهرة ونسبتهم إي آل البيت سوف تضع ميزانها في المعركة لترجحها إلي جانبهم, ولكن تبين أن هذا العامل الأدبي الرفيع لم يؤت أثره.. ومن ثم فقد انتقلت الرياسة, أو بعبارة أخري الخلافة والأمانة, الي الفريق الأقوي بصفاته السياسية والدنيوية والعصبية, إلي بني أمية ثم بني العباسي. ولا شك أن الامة كانت تتطلب لقيادتها أولي البأس والحنكة من القادة..
وقد ظهر منذ البداية أن عليا وبنيه ومن جاء بعدهم, لم يكونوا قيادة دنيوية. لم يستطيعوا قط خلال أكثر من قرنين أن يخوضوا مع خصومهم معركة ذات شأن. وعاش معظمهم في حالة اختفاء وتستر... إلي أن بدأت جهودهم الخفية تحدث أثرها, في ثورة القرامطة,وثورة اليمن ثم في حركة عبيد الله الشيعي, بعيدا عن الشرق الإسلامي. وهي الحركة التي ترتب عليها قيام الدولة الفاطمية, والتي يحيط الريب بنسبها إلي آل البيت..
ورياسة الأمة الأسلامية لم تكن, وما كانت لتكون قط, ميراثا شخصيا لأسرة بعينها.. وأن هذه الرياسة والإمامة تذهب في كل زمان ومكان إلي الأكفاء.
وإن كان القرامطة في البحرين لبثت حينا مواليه للفاطميين, وكان الفاطميون وهم في الغرب يعتبرونها جناحهم الشرقي لمدافعة الخلافة العباسية, فإنه لما تغالي القرامطة في غيهم وزاد سفكهم, وغزوا مكة وفتكوا بالحجاج, واقتحموا البيت الحرام, واقتلعوا الحجر الأسود, غدت العلاقة بينهم وبين الفاطميين منافسة وخصومة.
* المعز والإسكندر:
دخل جوهر الي العاصمة في طبوله وبنوده وعليه ديباج من ذهب, حتي أناخ( عسكر) في مكان القاهرة المعزية الآن, واختط وحفر أساس قصر الحاكم الجديد. وبات المصريون في أمن, فلما أصبحوا حضروا للتهنئة فوجدوه قد حفر أساس القصر في الليل... وقال: حفر في ليلة مباركة وساعة سعيدة. وأدخل فيه دير العظام, ونقل العظام التي كانت فيه إلي دير الخندق فدفنها, لأنه يقال أنها عظام جماعة من الحواريين..
يقول العلامة محمد رمزي: ودير الخندق هذا هدم في أيام المنصور قلاوون( المملوكي) فيما بعد. ثم جدد بدله كنيستان, إحداهما باسم دير الملاك البحري.
وذكر ابن إياس أن مدينة الفسطاط لم تعجب جوهر الصقلي, فشرع في بناء القاهرة, وجمع الفلكيين وأمرهم أن يختاروا لها طالعا سعيدا يضع فيه الأساس. فمدوا حبالا علقوا فيها أجراسا وكان لهم إشارة مع البنائين, أنهم( أي المنجمين) إذا حركوا تلك الأجراس يلقون الأساس. فبينما هم واقفون في انتظار الساعة السعيدة, وقع غراب علي تلك الحبال فتحركت الأجراس ورنت, فألقي البناءون الأساس.. فصاح عليهم الفلكية: لا لا القاهر( المريخ) في الطالع, قضي الأمر, وأعلموا أن هذه المدينة يملكها الأتراك. وكان الأمر كذلك
لكن المقريزي بذكائه يعتبر هذه الحكاية خرافة, فقد سبقت روايتها عند بناء الأسكندر لمدينة الإسكندرية وبحذافيرها.
وقد سمي المعز اسم مدينته بالقاهرة, بعدما كانت تسمي المنصورية نسبة الي الخليفة المنصور أبيه.. وإن كان د. سيد كريم يؤكد أن القاهرة كلمة مصرية قديمة, أصلها كاهي ـ رع أي موطن الإله رع!!
عموما فإن جوهر بدأ في بناء قصر الحكم في نفس الليلة التي خط فيها أساس المدينة في يوليو969 م. وفي مارس التالي كان قد تم بناء بوابتين, وفي عام970 ـ971 م أقيم حائط حول القصر.
* قصر الزمرد:
لما فرغ جوهر من بناء السور, أرسل يستحث سيده المعز في الدخول إلي مصر. فوصل الأسكندرية سنة362 هـ, وفي رمضان من نفس السنة دخل إلي العاصمة, ونزل بقصر الزمرد الذي بناه جوهر بسرعة فائقة.
ويعزو المقريزي سبب بناء القاهرة بهذه السرعة وإحاطتها بسور ضخم إلي خوف الفاطميين من هجوم بني العباس أو القرامطة أو روم بيزنطة.. كذلك كي يتخذ القاهرة مأوي للمغاربة, ويتيح لهم فرصة إقامة شعائرهم الدينية في مأمن عن تعرض أهل السنة لهم بسوء.وصفوة القول أنه أراد من القاهرة أن تكون معقلا يصد منه خطر المهاجمين, ومركزا لنشر عقائد مذهبهم الاسماعيلي, مذهب الفاطميين, وقد بني الأزهر ليكون مدرسة لهذه العقيدة. وأقام قصر مولاه المعز ليتخذه مقرا للحكم ومركزا لنشر الدعوة. وهكذا أدار السور اللبن علي مناخه( معسكره) الذي نزل فيه بعساكره.
أما الأزهر فقد شرع جوهر في بنائه بعد استقرار المعز, وأنجزه في عامين تقريبا من إبريل970 إلي يونيو972 م. وفي عام988 صار العلماء يؤمونه من كل صوب. وقد أم المعز الصلاة في احتفال الافتتاح الذي أعقب شهر الصوم, وألقي الخطبة وعليه مظاهر الورع. ثم غادر المسجد في موكب تحف به قواته, وفي حراسة أولاده الأربعة المسلحين, يتقدمه إثنان من الفيلة!.
يقول محمد كمال السيد محمد في كتابه عن الأزهر: وقد عرف الأزهر في البداية باسم جامع القاهرة, ثم لما انتشرت الجوامع سمي بالأزهر نسبة إلي السيدة فاطمة الزهراء. وقد أرادوه منطلقا للدعاية للمذهب الشيعي, فأشار إبن كلس وزير المعز( ثم وزير ابنه العزيز) بترتيب رواتب لجماعة من الفقهاء, يعملون فيه حلقات تدريس, فبني لهم دارا بجانب الأزهر, وهذا ما جعل الأزهر أقدم جامعة في العالم باقية للآن, تتولي الدولة الإنفاق علي مدرسيها.
وكان قصر المعز ضخما جدا, أشبه بمستعمرة كبيرة, يشتمل علي كثير من دواوين الحكومة ودور السلاح. وقد أمد بالمياه درءا للحريق. كما كثرت فيه الأنفاق السرية والسراديب: ولايركب أحد في القصر إلا الخليفة. وله في الليل شدادات( أي عاملات لخدمة البغلات والحمير الإناث). ويركب للمرور في السراديب, والطلوع علي الزلاقات إلي أعلي المناظر( الاستراحات) والأماكن. وفي كل محل من محلات القصر فسقية مملوءة بالماء خيفة حدوث حريق في الليل.
* غموض المحروسة:
وكان للقصر مداخل كثيرة تفضي إلي أروقة متواضعة يقابل فيها المعز الناس, لأنه كان يحرص علي الظهور أمام الرعية بالتقشف, والجلوس علي اللباد ومن حوله الكتب.. وعلي وجه الإجمال: كانت المدينة مقرا للخليفة ورجاله وعبيده وقواته من المغاربة, ولم يكن العامة من أهل مصر يدخلون إليها, فلم يكن يسمح لأحد الدخول بدون تصريح, حتي السفراء كانوا يترجلون حينما يصلون إلي الأسوار, ثم يصلون القصر في حراسة بعض الجند, كما كان الحال قي قصر الإمبراطور البيزنطي. كانت مدينة ملكية, جدرانها مرتفعة, محروسة الأبواب, تمثل الغموض الذي كان يشغف به الخليفة, فسميت المحروسة..
وكان سمك السور كبيرا يسمح لفارسين بأن يركبا من فوقه متجاورين. وكان بوسط المدينة تقريبا ميدان بين القصرين, وكان فسيحا جدا يسع عشرة آلاف جندي للاستعراض فيه. وكان يفصل مابين قصريه قصر المعز وهو القصر الشرقي العظيم( مكان أحد جوانبه الآن خان الخليلي والحسين). وقصر آخر سوف يبنيه العزيز ابن المعز( ومكان جانب منه الآن مارستان قلاوون). وهذا الأخير كان يطل علي بستان كافور الواسع الذي كان يقع فيه بيت الإخشيد..
ويخصص المقريزي عشرات الصفحات لوصف هذين القصرين, فنحن نقرأ عن أربعة آلاف حجرة, وعن بوابة ذهبية تؤدي إلي بهو ذهبي, واستراحة فخمة يجلس فيها الخليفة فوق عرش ذهبي محاطا بحجابه وأتباعه, وكانوا في العادة يونانيين أو سودانيين, حيث كان يشاهد احتفالات المسلمين من خلف ستارة ذهبية, ونقرأ كذلك عن ردهة من الزمرد بها أعمدة رخام, وإيوان عظيم فوقه قبة, ورواق يستمع فيه إلي المتظلمين والمتهمين..
وجميع هذه الانشاءات لم تتم في عام واحد بالطبع أو من حاكم واحد, وكان للقصر العظيم وحده عشر بوابات, عدا ممر تحت الأرض يصل منه الخليفة إلي الحريم, وكان يتبعه حينئذ عدد من الجواري. وعند مجيء صلاح الدين الأيوبي كان بالقصر إثنا عشر ألف خادم, فإذا ما أضفنا النساء, وجدنا أن عدد من يقيمون في تلك القصور كان يصل إلي ثلاثين ألفا
وقد وصف وليم الصوري هذا القصر( الذي هو مجمع قصور) سنة1167 م قرب نهاية الدولة الفاطمية: وكان قد وفد فارسان من بيت المقدس, فقادهما الوزير بنفسه في ردهات غامضة, وأبواب عليها حراس سودان أشداء يؤدون التحية بسيوفهم اللامعة, ثم فناء فسيح مكشوف محاط بأروقة مقامة علي أعمدة رخامية, وكانت السقوف تزينها النقوش الذهبية الجميلة والألوان الزاهية والموزايكو, وفي كل مكان النافورات والطيور المغردة ذات الريش البديع, وفي قاعة أخري حيوانات مختلفة.
وفي النهاية وبعد المراسم المعتادة وصلا الي حجرة العرش الذهبية, حيث كان يقف عدد كبير من الخدم والأتباع في ملابس فاخرة, وهنا أخرج الوزير سيفه وانحني امام الخليفة في خشوع ثلاث مرات, وبعد ذلك فتحت ستائر ثقيلة موشاة بالذهب واللآلئ الي الجانبين, فظهر الخليفة علي عرشه الذهبي وقد ارتدي ملابسه الفاخرة.
* السيف والذهب:
وقد قيل لما دخل المعز إلي مصر سأله ابن طباطبا العلوي عن نسبه, فجذب نصف سيفه من غمده وقال: هذا نسبي, ثم أحضر كيسا فيه ذهب وفرقه علي الجند وقال: هذا حسبي!
هذه الحكاية يكذبها د.حسن ابراهيم حسن لان انتساب المعز الي فاطمة هو مصدر فخره ومصدر شريعة حكمه, وان ابن طباطبا هذا الذي سأله مات قبل وصول المعز الي مصر بأربعة عشر عاما) المشكلة ان تاريخ وفاة ابن طباطبا مختلف عليه!(. لكن المؤكد ان المعز كان يثير حماسة جنوده بالمال ثم المناصب ثم بتخويفهم من الله ومنه, وهو لهذا دخل مصر ومعه ألف وخمسمائة جمل موسقة ذهبا ومن القماش والتحف مالايحصر!
وكان جوهر الصقلي من الذكاء بحيث شق لنفسه بعد الفتح طريقا وسطا بين الإدارة السنية) الموجودة قبل وصوله( وإدارته الشيعية.
فبينما تظاهر بالابقاء علي الموظفين المصريين في وظائفهم, أشرك مع كل واحد منهم موظفا مغربيا, ليتدرب المغاربة علي أعمال الدولة تمهيدا لاحلالهم مكان المصريين, ولان بقاء موظف مغربي مع مصري يدفع الاخير الي التقرب للفاطميين واعتناق مذهبهم, وقد صادفت هذه الطريقة نجاحا كبيرا.
يقول ابن تغري بردي ان المعز كان مغرما بقراءة الطالع والتنجيم, وحدث أن أخبره جماعة من الفلكيين ان عليه تهديدا شديدا خلال شهور وأيام معينة, ونصحوه بالاختفاء في سرادبه تحت الأرض حتي يزول التهديد, فأناب عنه ولده نزار) العزيز بالله( حاكما أثناء غيابه لمعاونة الوزير جوهر الصقلي ثم نزل الي سرداب وأقام فيه سنة)122(.
يكمل ابن اياس هذه الحكاية الغربية: فلما طالت غيبته علي عسكره ظنوا انه رفع الي السماء, فكان الفارس اذا نظر الي الغمام ينزل عن فرسه ويقول: السلام عليكم يا أمير المؤمنين.. ولازالوا علي ذلك حتي ظهر من السرداب, وهم يحسبون انه كان في السماء
لكن في عهده قامت لمصر حرمة, وصارت مستقلة اسما وفعلا, والخلفاء الفاطميون يحكمون من مصر الي الفرات ومكة والمدينة شرقا, وبلاد المغرب غربا.. وقد جدد الأمير جوهر ما فسد من جسور وقناطر.
وقد أكثر المعز من الاحتفالات: مثل يوم عاشوراء, ومولد علي بن أبي طالب, ومولد فاطمة الزهراء, والحسن والحسين, والخليفة القائم, وأول رجب.. وغيرها.
كما شارك القبط في احتفالات الغطاس وخميس العهد وعيد الميلاد
وتوفي سنة365 هـ ـ975 م.
* شماعة العنبر:
حل محله ابنه العزيز بالله) نزار أبو منصور( الذي استكثر من شراء المماليك الديالمة والمغل) المغول(, واستقامت أحواله وأظهر العدل وقال المسبحي انه أول من بني الحمامات بالقاهرة المعزية.
وأقام جوهر الصقلي وزيرا له مدة حتي مات, فوجد له من الذهب العين ستمائة ألف ألف دينار, ومن الدراهم أربعة الاف ألف, ومن اللؤلؤ الكبار واليواقيت أربعة صناديق.. ومن الثياب الديباج خمس وسبعين ألف قطعة..
ووجد عنده لعبة من المسك والعنبر الخام) شماعة( فكان إذا نزع أثوابه البسها عليها) فتفوح مسكا وعنبرا(.. ووجد في داره من المعالق الذهب والفضة ألف ملعقة.. وسبعمائة خاتم بفصوص ياقوت وماس وزمرد,) وأشياء أخري عديدة ثمينة(.. وهذا كله خارج عن البغال والخيول والجمال والأملاك والضياع.
يقول لينبول:
علي ان الذين استفادوا هم الأقباط, فحتي ذلك الوقت كان مصيرهم علي الدوام يتوقف علي طبع الحكام العرب والأتراك المختلفين غير أنه بوصول الفاطميين بدأت فترة من التسامح الديني لا عهد لهم به.. وكثيرا ما بنيت أو أصلحت كنائس في عهدهم, وقد كان للخليفة العزيز بالله الذي حكم من975 إلي996 م زوجة مسيحية, وكان إثنان من إخوتها بطاركة ملكانيين, كما كان كل من الأسقف اليعقوبي القبطي افريم والأسقف سفيروس من خيرة أصدقائه
وولي العزيز: نسطورس النصراني( وزيرا بمصر) ومنشا اليهودي( وزيرا بالشام). فكتبت إليه امرأة تقول: بالذي أعز اليهود بمنشا والنصاري بابن نسطورس, وأذل المسلمين بك, ألا نظرت في أمري؟.. فقبض عليها وأمر بشنقهما!.. وحسب قول المقريزي إن ابن نسطورس هلك!
وكان وزيره هو يعقوب بن كلس, وكان يهوديا من أهل بغداد ثم انتقل الي الرملة, وجاء مصر وتاجر لكافور الاخشيدي وأسلم, ثم قبض عليه بعد موت كافور, لكنه هرب الي المغرب, والتحق بالفاطميين, وعاد معهم, وترقي حتي صار وزيرا, فاستقامت أمور العزيز بتدبيره الي أن مات, فصلي عليه العزيز ودفنه بيده.
يقول محمد كمال السيد محمد وكان ابن كلس مدينا بستة عشر ألف دينار, سددها عنه العزيز بالله علي قبره, فما أعظم هذا, يتولي شئون المال في الدولة ما يقرب من عشرين عاما, مع سعة النفوذ وعلو المكانة ويموت مدينا.
يضيف أحمد أمين أن ابن كلس كان يأخذ من العزيز في كل سنة مائة ألف دينار, ووجد له بعد موته من العبيد والمماليك أربعة آلاف غلام!!.. وابن كلس هو الذي وضع قواعد الدولة ونظمها, وكان له الي جانب ذلك نشاط علمي, ربط بين العلم والتشيع, وبين التشيع والفلسفة, ووضع كتابا في فقه التشيع قال أنه كتبه مما سمعه من المعز والعزيز, كان يقرؤه في المسجد ويقرؤه العلماء ويفتون منه(127).
* صائد السباع:
وفي أيام العزيز فتحت حمص وحماة وحلب, وخطب له صاحب الموصل, وهو الذي بني القصر الغربي لينضم الي قصور الذهب والظفر والشجرة والشوك والزمرد والنسيم والحريم والبحر, وهذه كلها قاعات ومناظر أو استراحات من داخل سور القصر الكبير, ويقال لها القصور الزاهرة, ويسمي مجموعها القصر.
وكان العزيز أسمر أصهب الشعر( أي ضارب إلي حمرة وبياض). أشهل العين( فيها إحمرار). يعيد ما بين المنكبين. قريبا من الناس. محبا لصيد السباع. وكان أديبا فاضلا: بهذا وصفه المسبحي مؤرخ الفاطميين والذي تولي الوزارة بعد موت العزيز.
وكان مغرما بالأحجار الثمينة, فأوجد بدعة جديدة في لبس العمامة الموشاة بالذهب, والأحزمة المرصعة بالمجوهرات, والمعطرة بالعنبر الأسود, والسرج الموشي بالذهب للحصان.. وكان مثل خمارويه شغوفا بالحيوانات الغريبة.
والجامع المعروف باسم جامع الحاكم هو الذي وضع أساسه أواخر عام990 م وأتمه وزيره ابن كلس, بحيث كانت تؤدي فيه صلاة الجمعة بعد ذلك بعام, أما الزخارف والمآذن فقد انتهي البناء منها في عهد ابنه سنة1013 م.
مات العزيز سنة386 هـ996 م وخلفه ولده منصور أبو علي الملقب بالحاكم بأمر الله وعمره إحدي عشرة سنة!.. وهو من أعجب شخصيات التاريخ وأغربها!
[/frame]
|
| التوقيع |
|
إرحل كزين العابدين وما نراه أضل منك
إرحل وحزبك في يديك
ارحل فمصر بشعبها وربوعها تدعو عليك
إرحل فإني ما ارى في الوطن فردا واحدا يهفو إليك
لا تنتظر طفلا يتيما بابتسامته البريئة أن يقبل وجنتيك
لا تنتظر اما تطاردها هموم الدهر تطلب ساعديك
لا تنتظر صفحا جميلا فالخراب مع الفساد يرفرفان بمقدميك |
|
|
|
|
08-08-2010, 03:54 AM
|
رقم المشاركة : [10]
|
|
إحصائية
العضو |
|
|
|
رد: تاريخ مصر وعظمتها.....الكاتب مجيد طوبيا
ملوخية وحشيش
07/08/2010
بقلم: مجيد طوبيا
http://massai.ahram.org.eg/241/2010/...15653/219.aspx
[frame="8 10"] كان الحاكم صبيا, انتقل بوفاة والده من اللعب مع الصبيان الي عرش مصر والدولة الفاطمية.
وقد احتار المؤرخون والمبدعون في شخصية الخليفة الجديد. فذكر ابن تغري بردي في تأريخه إن خلافته كانت متضادة, بين شجاعة وإقدام, شح وسخاء, محبة للعلم وانتقام من الفقراء, ميل الي الصلاح وقتل الصلحاء, أقام يلبس الصوف سبع سنين وامتنع عن دخول الحمام وأقام سنين يجلس في الشمس, ثم عن له أن يجلس في الظلام.. قتل من العلماء والكتاب والأماثل مالايحصي.
وكتب علي المساجد سب أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص( أعداء علي بن أبي طالب) ثم محاه!
أمر بقتل الكلاب وبيع الفقاع ثم نهي عنه( والفقاع شراب من الشعير له فقاقيع مثل البيرة). ورفع المكوس عن البلاء, ونهي عن النجوم وكان ينظر فيها ويخدم زجل وطالعه المريخ, ولهذا كان يسفك الدماء!
وبني( أكمل) جامع القاهرة( الذي يعرف باسمه الآن) وجامع راشدة بمدينة مصر( بين الفسطاط ودير الطين أي دار السلام الآن) ومساجده كثيرة, ونقل إليها المصاحف المفضضة والستور الحريرية وقناديل الذهب والفضة.
ومنع صلاة التروايح عشر سنين ثم أباحها.ومنع بيع العنب وأراق خمسة آلاف جرة عسل في البحر( النيل) خوفا من عمل النبيذ منها, وأسلم خلق من أهل الزمة خوفا منه
* الأمير العبد:
أمر سنة395 هـ بإنشاء دار العلم( أودار الحكمة) لتكون أداة للدعاية لمذهبه الشيعي الي جوار الأزهر, وعين فيها الفقراء والقراء والأطباء والعلماء, وأباح الاطلاع علي الكتب ونسخها لمن يشاء..وكانت مكان هذه الدار حارة برجوان الذي قتله الحاكم,. وكانت دار العلم بجوار داره, وفي جزء من مكان دار برجوان فيما بعد كان سكن المقريزي المؤرخ الكبير يقول ابن إياس:
كان القائم بتدبير أمور القاهرة الأمير برجوان( العبد السلافي)..وكان الحاكم معه كالمحجور عليه, فما طاق الحاكم ذلك وأرسل اليه من قتله في الحمام, واحتاط علي موجوده فوجد له أضعاف ماوجد للأمير جوهر القائد.
فمن جملة ذلك: من الذهب مائتا ألف ألف دينار( مائتا مليون) ومن الفضة( الدراهم خمسون أردبا, ومن القماش مائتان وستون بقجة, وألف قميص حرير سكندري, وإثنا عشر صندوق جواهر وفصوص..حتي قيل كان ينقل من حارة برجوان الي قصر الزمرد( قصر الحاكم) في كل يوم دفعتان علي مائتي جمل, غير الدواب والبهائم والعبيد والجواري..
قال الذهبي: فلما قتل برجوان صفا الجو للحاكم, وصار يفعل أشياء لاتقع إلا من المجانين
فأفرد لليهود حارة زويلة وأسكنهم بها, وأمرهم ألا يخالطوا المسلمين في حاراتهم.. وكان في وقت آخر قد أمرهم أن يدخلوا كلهم في الإسلام, فخافوا منه وأسلموا, ثم أذن لهم بالعودة الي دينهم, ثم أمر بهدم كنائسهم ثم أمر بإعادتها الي ما كانت عليه أولا!
* كنيسة القيامة:
ويذكر ابن تغري بردي أن الحاكم قتل عددا كبيرا من كبراء دولته..ومنع الملوخية, ونهي عن المسك وقتل من باعه..وأمر النصاري بأن يحملوا في أعناقهم صلبانا, طول الصليب ذراع وزنته خمسة أرطال.
وأمر اليهود أن يحملوا في أعناقهم قرامي خشب في زنة الصلبان أيضا, وأن يلبسوا العمائم السوداء..وأمر بقتل جميع الكلاب... وأذن للنصاري الذين أكرههم علي الاسلام في الرجوع الي ديانتهم وفي عام404 هــ منع النساء من الخروج الي الطريق ومنع عمل الخفاف( الأحذية) لهن, وقتل بسبب ذلك عدة نسوة, ولم يزلن ممنوعات سبع سنين وسبعة أشهر حتي مات..وأمر بهدم الكنيسة المعروفة بالقمامة.. ثم أنه أمر بعد مدة ببناء ماكان أمر بهدمه من الكنائس..وكان يفعل الشيء ثم ينقضه
والمقصود بكنيسة القمامة هي كنيسة القيامة
(وقد سماها الكتاب العرب بذلك استخفافا, وهكذا أطلق الكتاب الغربيون علي بعض الأماكن الاسلامية.
وهي أشهر الكنائس المسيحية, بنتها الملكة هيلانة أم قسطنطين عاهل الامبراطورية الرومانية الشرقية بيزنطة ومؤسس مدينة القسطنطينية وهو أول امبراطور تنصر وأمر بنشر الديانة المسيحية وجعلها دين الحكومة الرسمي, وكان الفراغ من بنائها سنة335 م أي قبل الاسلام بحوالي ثلاثة قرون ومن ذلك التاريخ للآن هي الكنيسة التي يحج اليها المسيحيون منه جميع أصقاع الأرض.
هدمها الفرس أثناء إغارتهم علي سوريا وفلسطين سنة614 م السنة الهجرية الأولي تبدأ6 يوليو922 م)..
( وفي سنة628 م أجلاهم هرقل وأعاد بناءها في العام التالي.. ثم جاء الفتح الاسلامي سنة637 م ودخل عمر بن الخطاب القدس وزار كنيسة القيامة, فلما أدركته الصلاة خرج منها وصلي أمامها, ولم يصل في القيامة خشية أن يدعيها المسلمون ويحولوها إلي مسجد. وقد كتب عنها جغرافيو العرب, وجميعهم قالوا أنها وسط المدينة يحيط بها سور عظيم وفيه مقبرة يسمونها القيامة, لاعتقادهم أن المسيح كانت قيامته منها. وهي تحتوي علي24 كنيسة ومصلي ومدخل لجميع المسيحيين علي اختلاف ألوانهم ومذاهبهم
كان سلوك الحاكم يتحسن من حين لآخر وعلي فترات متقطعة, ثم يعود لسيرته!.. خطر له أن يقوم بوظيفة المحتسب, والمحتسب هو مراقب الأسواق.
فكان يلبس صوفا أبيض, ويركب علي حمار أشهب قدر البغل يسمي القمر, ويطوف الأسواق ومعه عبد أسود طويل عريض يمشي في ركابه يقال له مسعود, فإن وجد أحدا غش في بضاعته أمر ذلك العبد مسعود بأن يفعل به الفاحشة العظمي وهي اللواط!!.. وقد صار مسعود هذا مثلا عند أهل مصر( وقتها) إذا مزح بعضهم مع بعض يقولون: أحضر له مسعود!!
هذا ما قاله ابن إياس( ج1 ق1 ص200). وبعد ذلك يذكر بيتين من الشعر الركيك البذيء مدحا في مواهب مسعود, ثم يقول:
وفي سنة387 هـ شرقت البلاد( بسبب قلة مياه النيل) فوقع الغلاء بمصر, واستغاث الناس بالحاكم, فقال: إذا كان الغد أتوجه إلي جامع راشدة وأعود, فإن وجدت في طريقي مكانا خاليا من الغلة ضربت عنق التاجر صاحب هذا المكان علي باب.. وخاف تجار السوق السوداء وأظهروا الغلال بالسعر الذي حدده الحاكم. وقد كانت له جولات كثيرة مع التجار, وكان يتجسس علي مخابئهم ليلا ويأمر العساكر بمداهمتمهم نهارا.
* نيرون زمانه:
قال ابن الصابئ أحد معاصريه: كان الحاكم يواصل الركوب ليلا ونهارا, ويتصدي له الناس علي طبقاتهم فيقف ويسمع منهم, فمن أراد قضاء حاجة قضاها له.( فلما زاد شططه) صاروا موتورين منه, فكانوا يدسون إليه الرقاع المختومة بالدعاء عليه والسب له ولأسلافه.. حتي انتهي فعلهم الي أن عملوا تمثال امرأة بخف وثياب, ونصبوها في الطريق, وتركوا في يدها رسالة كأنها مظلمة ـ فتقدم الحاكم وأخذها من يدها, فقرأ فيها كل قبيح, وعرف أنهم سخروا منه.. فعاد من وقته إلي القاهرة( مدينته الملكية) واستدعي القواد وأمرهم بالسير إلي مدينة مصر وحرقها ونهبها وقتل كل من ظفروا به!!
فتوجه إليها العبيد والروم والمغاربه وجميع العساكر, وعلم أهل مصر بذلك فاجتمعوا وقاتلوا عن أنفسهم, وأضرم العسكر النار في أطراف البلد..
واستمرت الحرب بين الرعية والعبيد ثلاثة أيام, والحاكم يركب كل يوم إلي القرافة, ويطلع الي الجبل ويشاهد النار ويسمع الصياح, فيتظاهر بالتوجع ويقول لعن الله العبيد, من أمرهم بذلك؟!
فلما كان اليوم الرابع اجتمع الأشراف والشيوخ في الجوامع ورفعوا المصاحف وضجوا بالبكاء... فرق لهم العساكر من الأتراك وانحازوا اليهم وقاتلوا عنهم, ولان أكثرهم مخالط للرعية ومصاهر منهم. وعظمت القصة وزادت الفتنة, وتحالفت كتامة( القبيلة المغربية) والأتراك ضد العبيد, وراسلوا الحاكم وقالوا: نحن مماليك وهذا البلد بلدك وفيه حريمنا وأموالنا وأولادنا وعقارنا, وما علمنا أن أهله جنوا جنايه تقتضي مثل هذه المعاملة, فإن كان هناك سر لا نعرفه فأخبرنا, وانتظر حتي نخرج بعيالنا وأموالنا. وإن كان ما فعله هؤلاء العبيد مخالفا لرأيك فأطلقنا عليهم. فأجاب بأنه ما أراد ذلك ولعن الفاعل له والآمر به!.. وأرسل سرا الي العبيد يقول: كونوا علي أمركم. وأرسل إليهم سلاحا قواهم به..
كان غرضه أن يطرح بعضهم علي بعض, وينقم من فريق بفريق. وعلم القوم بما فعل, فراسلته كتامة والأتراك: قد عرفنا غرضك وفيه هلاك هذه البلدة وأهلها وهلاكنا معهم, وما نرضي يقتل الحريم والأطفال, فإذا لم تمنعهم حرقنا القاهرة( مدينته) واستنفزنا العرب وغيرهم. فلما سمع الرسالة وكانوا قد تفوقوا علي العبيد, ركب حماره ووقف بين الصفين وأومأ للعبيد بالانصراف فانصرفوا.. وحلف للأتراك وأعيان مصر أنه بريء من هذا, فقبلوا الأرض بين يديه وشكروه.. وسكنت الفتنة وفتح الناس أسواقهم.. بعد أن احترق من مدينة مصر مقدار الثلث, ونهب بضفها..
وتتبع المصريون المخطوفات من زوجاتهم وبناتهم وأخواتهم وابتاعوهن من العبيد بعد أن فضحوهن, وبعد أن انتحرت بعضهن خوفا من العار, واستغاث بعض الأشراف بالحاكم.. فقال: أنا أسدد عنكم ما يطلبونه منكم. فقال له أحدهم: أراك الله في أهلك وولدك مثل مارأيناه في أهلنا وولدنا. فصبر عليه وقال: أنت أيها الشريف محرج ونحن حقيقون باحتمالك
ويكتب ابن تغري بردي عن ذروة شطط الحاكم بأمر الله: ثم عن له أن يدعي الربوبية, وقرب منه رجلا اسمه الأخرم ساعده علي ذلك.. فخرج هذا الأخرم من القاهرة راكبا في خمسين رجلا من أصحابه قاصدا مدينة مصر, ودخل الجامع ومعه أصحابه علي دوابهم, وقاضي القضاة ينظر في الأحكام, فنهبوا الناس وسلبوهم ثيابهم, وسلموا للقاضي رقعة فيها فتوي مصدرة: بسم الحاكم الرحمن الرحيم!!..فصاح القاضي منكرا,وثار الناس بالأخرم وقتلوا اصحابه وهرب هو(!!)
ثم شاع الحديث في دعوي الحاكم الربوبية, وتقرب إليه جماعة من الجهال المسلمين, فكانوا إذا لقوه قالوا: السلام عليك ياواحد يا أحد يامحيي يامميت,وصارت له دعاة يدعون أوباش الناس, فمال اليه خلق كثير طمعا في الدنيا والتقرب منه.
وكان اليهودي والنصراني الذي أرغم علي تغيير دينه إذا لقيه يقول: إلهي قد رغبت في شريعتي الأولي,فيقول الحاكم: افعل مابدالك
يقول ابن إياس( ثم أمر الناس أن يغلقوا الأسواق بالنهار ويفتحوها بالليل..ومر يوما في السوق بالنهار فرأي شيخا يعمل في النجارة من بعد العصر, فوقف وقال له: ألم أنهكم عن العمل بالنهار؟ فقال الشيخ: ياأمير المؤمنين, أما كان الناس يسهرون بالليل, هذا من جملة السهر فتبسم وتركه, ثم أعاد الناس الي ماكانوا عليه
* جفاف الدماغ
بهذا الاعوجاج أصبح الحاكم بأمر الله خطرا علي مصير أسرته كلها, فكان لابد من قتله وهناك شبه إجماع عند مؤرخي المشرق العربي علي أن أخته ست الملك قتلته أو دبرت لقتله, ماعدا المسبحي المؤرخ الفاطمي, وينقل عنه المقريزي: وفي محرم سنة415 هـ قبض علي رجل بالصعيد الأعلي أقر بأنه قتل الحاكم من جملة أربعة أنفس تفرقوا في البلاد, وأظهر قطعة من جلد رأس الحاكم وقطعة من الفوطة التي كانت عليه..وقال أنه قتله عزة لله والاسلام.. سألوه: كيف قتلته فأخرج سكينا طعن به قلبه وهو يقول: هكذا قتلته.
ويعلق المقريزي: هذا هو الخبر الصيح في مقتل الحاكم بأمر الله, لامايحكيه المشارقة في كتبهم
والمشارقة هم الكتاب الموالون للعباسيين أعداء الشيعة لكن المقريزي لاينفي عنه منع لعب الشطرنج والملوخية وخروج النساء, وإعادة الضرائب الملغاة وهدم الكنائس بطريق المكس( قرب باب الحديد) وبحارة الروم.. وقتل كثير من الخذام والكتاب الصقالبة منهم حفيد جوهر الصقلي فاتح مصر!
ويعلل المقريزي هذا بأن الحاكم كان يعتريه جفاف في دماغه, فلذلك كثر تناقضه!
وقد شخص الطبيب يحيي الانطاكي المعاصر له مرضه هكذا: كان سبب بغية سوء المزاج في دماغه, أحدث له ضربا من المالنخوليا وفساد الفكر منذ حداثته..فمثله يتوهم ويتخيل أمورا عجيبة, وهو يظن أنه علي صواب فيما يتصوره..وقد نصحه الطبيب ابن نسطاس أن يشرب النبيذ ويسمع المغني, فانصلحت أخلاقه وترطب مزاج دماغه ولما مات الطبيب وعاد الي الامتناع عن شرب النبيذ وسماع الأغاني رجع الي ماكان فيه
* ظهرت يامشئوم:
وهذه قصة قتله كما جمعها ابن تغري يردي من عدة مصادر:
قال ابن الصابئ وغيره: إن الحاكم لمابدت منه هذه الأمور الشنيعة استوجشي الناس منه, وكانت أخته ست الملك أعقل النساء, فكانت تنهاه وتقول: يا أخي احذر أن يكون خراب هذا البيت علي يديك!..فكان يرد عليها بغليظ الكلام ويهددها بالقتل ثم بعث إليها يقول: رفع الي أصحاب الأخبار العسسأنك تدخلين الرجال اليك وتمكنينهم من نفسك. فعلمت أنها هالكة..
وكان بمصر سيف الدولة بن دؤاس من شيوخ كتامة القبيلة المغربية وكان شديد الحذر من الحاكم( ويخشي أن يغتاله)..
وراسلت أخت الحاكم ابن دؤاس, وطلبت منه أن يزورها فتنكر تحت جنح الليل أو تفعل هي ذلك..وذهبت الي داره متنكرة وحيدة وقالت له: قد جئت في أمر لي ولك وللمسلمين وأريد مساندتك; فقالت: أنا عبدك فاستحلفته حتي وثقت فيه ثم قالت: أنت تعلم أن أخي متي تمكن منك قتلك, وكذا أنا, ونحن معا في خطر عظيم, وقد زاد في جنونه وادعي الألوهية وهتك ناموس الشريعة وناموس آبائه, وأنا خائفة أن يثور المسلمون عليه فيقتلونا معه وتنقضي هذه الدولة أقبح انقراض..
فقال سيف الدولة: صدقت والله يامولاتنا فما الرأي؟
قالت: نقتله ونستريح منه, ونقيم ولده مكانه, وتكون أنت صاحب جيشه وشيخ الدولة والقائم بأمره, وأنا امرأة من وراء الحجاب, وليس غرضي إلا أن أعيش بينكم آمنة من الفضيحة..ثم وعدته بالأموال والخلع..وقالت: أريد عبدين من عبيدك تثق بهما وتعتمد عليهما في أسرارك..
فأحضر عبدين وصفهما بالشهامة, فاستحلفتهما ووهبتهما ألف دينار ووعدتهما بثياب وإقطاعات وخيل وغير ذلك, وقالت لهما أريد منكما أن تصعدا غدا الي الجيل, فإنها نوبة الحاكم في الركوب, وهو ينفرد ولايبقي منه إلا القرافي الركابي والصبي( سايس الحمار) إن كان معه وأعطتهما سكينين من صنع المغاربة, ورجعت الي القصر وقد أحكمت الأمر
وكان للحاكم قوم ينتظرونه كل ليلة علي باب القصر, فإذا ركب ركبوا معه ويتبعه أبو عروس صاحب العسس( مدير المباحث) ومن مهمته أن يطوف كل ليلة حول القصر في ألف رجل, فإذا خرج الحاكم من باب القاهرة قال له: ارجع واغلق الأبواب فلا يفتحها حتي يعود..
وكان الحاكم ينظر في النجوم, فرأي أنه مهدد بقطع( أي بخطر الموت في وقت معين) فإن تجاوزه عاش نيفا وثمانين سنة. وكان لا يترك الركوب بالليل والطواف بالقاهرة. فلما كانت تلك الليلة قال لوالدته: علي في هذه الليلة وفي غد قطع عظيم, والدليل عليه علامة تظهر في السماء وهي طلوع نجم معين( ذكر اسمه).. ثم قال: خذي مفتاح الخزانة وفيها ثلاثمائة ألف دينار, خذيها إلي قصرك تكون ذخيرة لك إن مت. فقالت: ارحمني ودع الركوب الليلة, وكان يحبها فوافق..
وبعد مدة ضجر من قعوده بالقصر, فطلبت منه أمه أن ينام, فنام ثم تنبه وقد بقي من الليل ثلثه, وهو ينفخ ويقول: إن لم أركب الليلة وأتخرج خرجت روحي. ثم قام وركب حماره, وأخته تراقبه من قصرها المقابل لقصره( القصر الغربي الذي بناه العزيز والدها, وكان يطل علي ترعة الخليج ـ شارع بورسعيد الآن).. ولما ركب سار في درب يقال له درب السباع, وهناك صرف صاحب العسس والخادم نسيم صاحب الستر والسيف, وخرج إلي القرافه ومعه القرافي الركابي والصبي. نظر إلي النجوم وضرب بكف علي كف وقال: إن لله وإنا اليه راجعون. حملق الي نجم معين وقال: ظهرت يا مشئوم!
ثم سار في الجبل فاعترضه عشرة فوارس من بني قرة, وسألوا منه إحسانا, فأمر القرافي أن يأخذهم إلي بيت المال ويعطيهم عشرة آلاف درهم..
وسار هو والصبي بين الصخور التي تعود المرور من بينها, وقد كمن العبدان الأسودان له, وقد قرب الفجر, فوثبا عليه وطرحاه أرضا, وقتلاه وقطعا يديه, وقتلا الصبي, وحملا الحاكم الي ابن دؤاس بعد أن قطعا أرجل الحمار.
فحمله معها الي ست الملك فدفته وأعطت ابن دؤاس وعبديه مالا كثيرا..
بعد انصرافهم استدعت الوزير خطير الملك وعرفته الحال, وجعلته يقسم علي الطاعة والولاء..
وافتقد الناس الحاكم في اليوم التالي, ومنع أبو عروس( صاحب العسس) فتح أبواب القاهرة انتظارا لعودته حسب أوامره.. وأرسل القواد يسألون أخته عنه, فقالت: ذكر لي أنه يغيب سبعة أيام, فاطمأنوا. وراحت في هذه الأيام ترتب الأمور وتفرق الأموال وتأخذ العهد والبيعة لابن الحاكم واسمه أبو الحسن ولم يكن ولي العهد)..
فلما كان اليوم السابع ألبسته أفخر الملابس, واستدعت ابن دؤاس وقالت له: هذا الصبي ولدك, فأبذل وسعك في خدمته.. ووضعت التاج علي رأس الصبي, وهو تاج المعز جد أبيه وفيه جواهر نفيسه. وأركبته مركبا من مراكب الخليفة.. وخرج معه الوزير وأرباب الدولة, فلما صاروا عند باب القصر صاح الوزير خطير الملك: ياعبيد الدولة, مولاتنا تقول لكم هذا مولاكم فسلموا عليه. فقبلوا الأرض, وارتفعت أصواتهم بالتكبير والتهليل.
ولقبوه: الظاهر لإعزاز دين الله. وبايعوه وفرح الناس. وأقيم العزاء علي الحاكم ثلاثة أيام..
وكان أرباب الدولة لما لم يعد الحاكم قد خرجوا ومعهم القضاة والقواد والأشراف, وأقاموا عند الجبل إلي آخر النهار, ثم رجعوا إلي القاهرة ثم عادوا, وفعلوا ذلك ثلاثة أيام. وفي يوم الخميس خرج عدد من أرباب الدولة والاتراك والكتاميين والقضاة والعدول, وساروا حتي بلغوا دير القصير( حلوان) وبحثوا في الجبل, فرأوا حمار الحاكم مقطوع الأرجل وعليه سرجه ولجامه, وتتبعوا الأثر حتي أتوا إلي بركة شرقي حلوان, فعثروا علي ثيابه لم تحل أزرارها ومنها أثر السكاكين( لكنهم طبعا لم يعثروا علي جثته!)
وكان عمره ستا وثلاثين سنة وسبعة أشهر, وولايته علي مصر خمس وعشرون سنة وشهرا واحدا.. مع أن جماعة من المغالين في حبهم لمذهبه مازالوا يظنون أنه حي وأنه لابد أن يظهر, ويحلفون بغيبته..
ثم أمرت ست الملك بالأموال للأعيان( وأمرت بقتل إبن دؤاس وعبديه اللذين قتلا الحاكم, والوزير خطير الملك. وكل من اطلع علي سرها قتلته) فقامت لها الهيبة في قلوب الناس ولا أحد يدري أي الروايتين أصدق, رواية المقريزي أم رواية ابن تغري بردي. لكن المؤكد أن الحاكم قتل سنة1021 م. وكان قد اتخذ قبل عامين قرارا عجيبا بمصادرة جميع أملاك أخته وأمه وزوجته وحماته وجواريه وخواصه, ثم يبدو أنه رجع عن ذلك. كما أنه قبل موته بسبع سنوات اختار ابن عمه إلياس واليا للعهد بدلا من ابنه, وهذا غريب في أسرته!
وقد ترك أموالا مذهلة بدليل أن ابنته( ست مصر) عندما ماتت تركت ثمانية آلاف جارية وغير ذلك. وفي عهده ماتت عمته السيدة رشيدة فتركت مليونا وسبعمائه دينار ذهب وآلاف الأشياء الأخري الباهظة الثمن!
وكان الحاكم غريب الوجه, أزرق العينين, أجش الصوت, مهيب الطلعة. مع أن معلمه أطلق عليه في صباه صفة السحلية!!
* الدعوة والدعاية:
عن الحياة الثقافية عرفنا أن المؤرخ المسبحي كان من أقطاب مصر في العلم والسياسة والإدارة, وقد استفاد منه المقريزي في تاريخه. ولاه الحاكم علي بعض ولايات الصعيد, ثم ديوان الترتيب.
وكانت الدولة الفاطمية تعتمد أساسا علي الدعوة والدعاية, لهذا احتفي المعز بالشاعر ابن هانئ الأندلسي الذي جاء مصر, والذي صاغ عقائد الإسماعيلية شعرا, مادحا العقيدة وأصحابها..
كما كان تميم بن المعز شاعرا لطيفا ماهرا مات سنة374 هـ في خلافة أخيه العزيز والد الحاكم.
وقد استدعي الحاكم المهندس البصري وعالم البصريات أبا علي بن الحسن بن الهيثم, لما بلغه عن براعته, وعهد اليه بفحص أحوال النيل, وكيفية الاستفادة من مياهه وتنظيم جريانها. لكن ابن الهيثم ذهب الي الصعيد ورأي أثار الفراعنة, وأعلن أنه لايستطيع أن يزيد شيئا علي أعمالها, واعتذر للحاكم عن قصوره, فولاه بعض الدواوين, لكن ابن الهيثم خشي بطش الحاكم فتظاهر حينا بالجنون حتي توفي الحاكم.( عن تاريخ ابن العبري ص318,317)
غير أن الحاكم بأمر الله تروي عن ظروف قتله حكاية مثيرة تزعم أنه أفلت من الاغتيال!
[/frame]
|
| التوقيع |
|
إرحل كزين العابدين وما نراه أضل منك
إرحل وحزبك في يديك
ارحل فمصر بشعبها وربوعها تدعو عليك
إرحل فإني ما ارى في الوطن فردا واحدا يهفو إليك
لا تنتظر طفلا يتيما بابتسامته البريئة أن يقبل وجنتيك
لا تنتظر اما تطاردها هموم الدهر تطلب ساعديك
لا تنتظر صفحا جميلا فالخراب مع الفساد يرفرفان بمقدميك |
|
|
|
|
|
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
|
|
|
تعليمات المشاركة
|
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك
كود HTML معطلة
0
|
|
|
عدد زوار المنتدي
الساعة الآن 05:20 AM.
Design
:
vb4boys
كافة محتويات الموقع الحصرية الخاصة بالأعضاء محمية بموجب حقوق الملكية الفكرية
و كافة الآراء والتوجهات الفكرية بدار العدالة والقانون العربية تحت مسؤلية صاحبها
|
| | | | | | | | |